النفار بأبي الجعد تقليد مهدد بالاندثار أمام إنتشار وسائل التكنولوجيا الحديثة

آخر تحديث : الأحد 20 مايو 2018 - 3:25 مساءً

النفار بأبي الجعد تقليد مهدد بالاندثار أمام إنتشار وسائل التكنولوجيا الحديثة

يشكل شهر رمضان الأبرك عند الأسر المغربية مناسبة دينية لها دلالات ومعاني روحية كبيرة تقتدي بالسنة النبوية الشريفة، وفرصة للاحتفال بتقاليد وعادات تميز الثقافة المحلية المتوارثة التي تصنع الخصوصية والذاكرة التراثية للمغاربة.

 ومن الطقوس والعادات التي ارتبطت بهذا الشهر الفضيل مهنة “النفار” التي ترسخت في ذاكرة أهالي الساكنة البجعدية منذ سنوات عديدة، وحرصت على استمراريتها في شهر الصيام على الرغم من مظاهر التغيرات التي عرفها المجتمع والتي تغيرت معه العديد من المظاهر التراثية المحلية. 

إنه واحد من أصحاب المهن الرمضانية، الذي اعتاد سكان المدينة على سماع تراتيله وأناشيده الدينية، إذ يعتبر من الطقوس المرتبطة بشهر الصيام، ولم تكن تحلو ليالي الشهر الفضيل إلا بسماع صوت “النفار”، وهو يوقظ الناس لتناول وجبة السحور، وهو المعروف عند العام والخاص بقدسية مهنته وتبشيرهم بقدوم عيد الفطر. 

وقد شهدت هذه المهنة الموسمية ذات الحمولة الثقافية والرمزية التراثية مع مرور الزمن وتعاقب الأجيال بعض التراجع في المدن العتيقة وانقراضها في عدد من المناطق المغربية على الرغم من أنها شكلت منذ عقود وظيفة أساسية وإحدى المظاهر المرتبطة بشهر الصيام.

 ولعل تراجع مهنة “النفار” ، الذي شكل طقسا رمضانيا صرفا عند العديد من الأسر المغربية التي تواصل محافظتها على استمرارية الحرفة ، في الآونة الأخيرة مرده إلى التحولات الاجتماعية التي دخلت على نمط عيشهم حيث حلت التكنولوجيا والوسائل الحديثة محل العادات والطقوس.

 وتحمل ذاكرة أهالي مدينة أبي الجعد العتيقة العديد من الرؤى حول هذه المهنة التي تظهر عند حلول الشهر الفضيل حيث يبدأ “النفار” في التجول بأزقة وشوارع المدينة لإخبار الناس بقدوم رمضان، وإيقاظ الناس لتناول وجبة السحور ثم يتوارى عن الأنظار بمجرد الإعلان عن عيد الفطر. 

ومما ساهم في تراجع حرفة “النفار” ، المهنة الوحيدة التي تحدد مدتها الزمنية في شهر واحد في السنة، تأثير وسائل الاتصال الحديثة، خاصة ما يعرف محليا ب “الزواكة”، التي أدت إلى تراجع ممارسي هذه الحرفة التي أثثت لعقود الذاكرة التراثية الرمضانية المحلية. 

وتحرص ساكنة أبي الجعد، رغم هذا التراجع، على التشبث واستمرار هذه المهنة الموسمية باعتبارها طقسا وتراثا نسجت خيوطه بعادات وتقاليد الأجداد ومكونا أساسيا من مكونات المظاهر الرمضانية الذي اعتاد أهالي المنطقة على سماعه كلما حل شهر الصيام الموعد الذي يتجدد فيه الرباط مع النفار. 

ومعلوم أن امتهان هذه الحرفة لا تكون من نصيب عامة الناس فتعلم هذا الطقس الرمضاني يأتي في الغالب إما عن طريق نقله إلى الأجيال الصاعدة أو من خلال التمرس عليه وعلى أبجدياته لشريحة ما زالت تؤمن بالوظيفة الرمزية وترى في انقراضها تفريط في الثقافة التراثية المحلية. 

ويفسر بعض المهتمين بالتراث المحلي أن دوافع امتهان مهنة “النفار” تأتي إما بدافع مادي صرف حيث يشكل رمضان مناسبة لجمع المال والمساعدات الغذائية ، وإما أن تمارس بشكل تطوعي للحفاظ على استمرارية هذا الموروث ونسج علاقات مع مختلف الشرائح المجتمعية. 

ويجمع هؤلاء على أن مهنة “النفار”، التي أضحت في الوقت الراهن طقسا من طقوس الاحتفال بالزواج وأداة من أدوات تشجيع الفرق الرياضية ، يقوم بها أشخاص تتوفر فيهم شروط منها الالتزام بأداء فريضة الصلاة و حسن الأخلاق ومعرفتهم بأصول المهنة وتمكنهم من حفظ الأناشيد والأذكار. 

وأكد الأستاذ الباحث الحبيب ناصري أن مكونات المجتمع المحلي تعرف وتستحضر صورة “النفار” في رمضان وترسم صورة صوته خلال الشهر الفضيل، وببداياته الصوتية الأولى التي تهز أركان الأسر بشكل روحي ورمزي ، مضيفا ، أن “النفار” يعد صوت الأزقة والدروب والأحياء العتيقة وله رمزيته الإنسانية والشعبية خلال شهر الصيام.

 وأوضح، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن الأسر المحلية تصارع، على الرغم من التحولات الاجتماعية ، في المحافظة واستمرارية هذا الموروث الثقافي ذو البصمة الإنسانية الممتعة وصورته وصوته وآلته وفق رؤية انسانية حميمية، مضيفا أن هذه الرؤية تستحضر من خلالها الساكنة صورة الطفولة خاصة بالمدن والأحياء الشعبية. 

وبعد أن أبرز صوت الإنسان القوي من أي آلة تكنولوجية أخرى باعتباره شكلا ثقافيا وشعبيا، دعا إلى الحفاظ على استمرارية هذه المهنة من خلال الثقافة السينمائية الروائية والوثائقية لتجعل منها مادة فنية وثقافية موحية وغنية بالدلالات.

مملكتنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا.م.ش.س

2018-05-20 2018-05-20
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

مملكتنا
%d مدونون معجبون بهذه: