أراد لها المغاربة كما الملك أن تكون جوهرة الجنوب المضيئة والمعلمة السياحية المشرقة الجذابة الرابطة بين أقاليمنا الصحراوية و باقي أقطار المغرب.
كيف لا و قد حباها الله بكل الخيرات و المقومات الطبيعية، شكل ربطها من مراكش بالطريق السيار مرحلة جديدة اتسمت بالتفاؤل حتى أن انتعاشها سياحيا كان مسألة ساعات فقط لترتفع أسهمها في “بورصة السياحة و الإستثمار” ارتفاعا صاروخيا منقطع النظير..
طفرة لم يواكبها أبدا؛ الجودة و تحسين الخدمات! بل أسفا و حسرة؛ عبث و فساد ثم نكسة في التعامل و المعاملات!
في تقريري الميداني السري الذي صاحب زيارتي الصيفية القصيرة الغنية لمدينة أكادير التي أكن لساكنتها جميل الإمثنان و الوفاء و الإحترام من أصدقاء و رفاق و عامة السكان المعروفين بالكرم وحسن الضيافة و حب الخير؛ في تحقيقي هذا الذي أضعه بين أيديكم استدراكا؛ لم أستطع أبدا تمالك حسرتي من واقع خدماتي سياحي مرير مثقل بالعيوب لأناس لا يقدرون ما يدفعه المواطن المغربي من الجيوب، رغبة في قضاء وقت قصير يخفف عنه شيئا ما من ثقل الحياة.
*فوضى الطريق و أثمنة صاروخية للحجز في الفنادق و الشقق و البيوت.
قد يقول قائل: إن الصيف هو الفصل المزدهر و الفرصة الوحيدة للعاملين في القطاع السياحي لتجميع ما يحفظ لهم الإستمرارية و ما يمكنهم من دفع المصاريف و الربح المشروع. الجواب؛ بالتأكيد! لكن عند حجزك في أي من الفنادق لن تسمع الثمن المعلن على المواقع أو في الطلبات الرقمية أو الإلكترونية؛ سترن أذنك بأثمنة من فرط غلائها يخيل إليك أنك أمام الخمس نجوم في “دبي” أو “لاس فيكاس” و حينما تشرح أن الثمن المعلن أو المستحق أقل من الذي يحاولون باستغباء لذكاءك فرضه عليك تفاجأ بوقاحة المستقبل ليبرر بأسطوانة عنوانها: (“الطلب وفير و هناك زبناء أجانب مستعدون للدفع”)
أما مراكن و مواقف السيارات فقد أضحت تجارة مدرة للملايير في سوق أسود لا يفرق بين الأماكن الممنوعة و المسموحة، غياب التشوير و العلامات، متطفلون على القطاع تراخيص وهمية! إقصاء للأماكن المفروض تخصيصها لذوي الإحتياجات الخاصة الذين سنعود لحرمانهم من أبسط حقوقهم أسفل التقرير، الأزقة عادت مراحيض يتبول على أرصفتها السكارى الذين يجدون أنفسهم مفتقدين لمكان مخصص لقضاء الحاجة.
بالعودة لكراء المنازل و الشقق و بمجرد دفع المطلوب تغيب الإجراءات الأمنية الإحترازية المفروض على المؤجر اتخادها حتى أن بعضهم لا يطلب منك بطاقتك أو جواز سفرك فكيف له بذلك مساعدة الشرطة أو تبليغها بهويتك حال وقوع حادث إذا قدر الله.
*الفنادق، الملاهي الليلية و المقاهي و المطاعم الفخمة؛ عنوان الإبتزاز و العبث دون أي احترافية.
المقارنة بين مراكش، الدار البيضاء، المحمدية، الرباط، تطوان من جهة و بين أكادير من جهة أخرى مثل المقارنة بين عصر الأنوار و حقبة الظلام! ذلك ما وقف عليه تقريري الميداني المنجز بجسدي و أم عيني!
حين انتقالي بمعية أحد الأصدقاء إلى “مارينا أكادير” رغبة في احتساء كوب قهوة إيطالي على نسيم البحر في المقهى الشهير “فينيزيا آيس” الذي ما كنا لنجد فيه مكاننا و هو يعج بالناس لننتقل مباشرة بعدها و على وجه السرعة إلى أحد المقاهي المجانبة المشابهة التي كنا فيها في استقبال أنفسنا لنهم بالجلوس منتظرين النادل! بعد حوالي عشر دقائق أخدت منا الطلبات و جلست ليس ببعيد عنا فتاة أنيقة جذابة بشوشة بدت مستمتعة بفضاء المقهى الجميل.
انتظار طويل لم يكن ليتحمله أحد في “نسخة لصبر أيوب” تكلل بعد ضياع للوقت بقدوم الطلبات و بماء مرفق ساخن سخونة مشارف الصحراء! بأدب بالغ طلب صديقي أن يقدم لنا ماء بارد ليعتذر لنا النادل بلطف بالغ و باتسامة انطلق معها قسمه بأنه ما وجد سوى ذلك و أنه دائما ما يقع في إحراج مع الزبناء، فما كان منا سوى أن شكرناه و قبلنا منه اعتذاره و ماءه على حرارته فنحن في مراكش معتادون على الحرارة رغم أن أحدا أبد الدهر ما قدم لنا في المدينة الحمراء ماء ساخنا باستثناء طلبه لدواء أو ما شابه.
في لمحة بصر انقلب رضى الفتاة الحسناء جنبنا إلى غضب بدت قسماته على محياها و سمع للكل أفأفاتها المتكررة المقصودة!! حينها وفي مواساة ذكية غير مباشرة مني لها همست بصوت مسموع لصديقي و بلغة عامية:
-(“كايعطلو أصاحبي La commande هنا فأكادير”)
لم تستطع الفتاة تمالك نفسها فوجهت لي مباشرة القول:
-(“ماشي غير بوحدك أنا مرضت و تعصبت…”) قلت لها مغازلا و ململما غضبها:
(“شرفتي عندهوم هنا.. ألستي من أكادير..؟)
قالت: (لا، لا، لا…)
لم نجد أنفسنا وحدنا في الحوار و المحادثة و كان هاتف الجميلة يرن مما استدعاها بعد قدوم طلبها إلى تغيير مكانها بعيدا عن بعض الزبائن الذين حاولوا استغلال الموضوع الطارئ للتحرش بها لتبتعد عنهم بفطنة و تقترب أكثر شيئا ما منا.
قلت أنا و صديقي من المؤسف رؤية ذلك، آه، لو كنت يا جميلتي في ضيافتنا أو ضيافة مراكش! من العار أن يكون المواطن في بلاده غريبا و محروما من خدمة سياحية في المستوى!
سدد صديقي الفاتورة بسخاء و كرم مراكش ذلك للطف النادل و بشاشته وانطلقنا صوب مجموعة من الفنادق المطاعم و الملاهي الليلية!
بإيجاز؛ فضاضة و قصور في تكلم اللغات عند مسؤولي الأمن الخاص و المضيفات المستقبلات هذا إن وجدن! الأضواء و الصوت كارثي و العاملون به محرومون من التقنيات الحديثة و المستلزمات الجيدة رغم الأرباح التي يراكمها المالكون!
غياب لتأطير مسؤولي العلاقات العامة و وضع سيئ للمراحيض و انعدام النظافة! هذا بالإضافة إلى هندسة سيئة غبية لأماكن الكنبات و الطاولات العالية كما الكراسي.
نقطتي الضوء الوحيدتين كانتا (“Le duplexe dinner club”) الذي وقفنا فيه على مستوى أكثر من رائع يحقق الشروط العالمية المحترمة و أيضا (“Diwane cabaret lounge”) الذي يسيره أحد العارفين بفنون السياحة و هو المسؤول الذي سمعت الأصدقاء الساكنين بأكادير ينادونه “كريم” و يمتدحون كفاءته و ما خاب ظننا حين جربناه دون ما أن نفصح له عن هويتنا!
نفس مجهر التجربة الصحافية باحترافية عالية تراعي الشروط الأخلاقية لمهنتنا مهنة المتاعب هذه المرة بالطريقة الأمريكية وضعناه على أحد أجمل الفضاءات و النوادي و هو (“Naya club”) الذي بالمناسبة قيل لي أنه يرجع لنفس مالك (“le duplexe”) سنحجز و نحاول الدخول محترمين البروتوكول و الوقت و الحجز لنعامل بوقاحة منقطعة النظير و غير مبررة دفعت صديقي العارف بخبايا القطاع السياحي مثلي إلى إعطاء بطاقة دعوته لمسؤولي الأمن الخاص اللذين تدرعا بانتهاء وقت الدخول على الرغم من أنها الساعة الواحدة ليلا و على الرغم من السماح بذلك لمجموعة من الأجانب من جنسيات مختلفة والذين تم ابتزازهم على مرأى ومسمع منا بأثمنة أقرب للخيال!
مباشرة بعدها نتراجع عمدا في انسحاب استراتيجي دون أن نتصل بأحد و نكلف أحد الأصدقاء بالدخول و لو اقتضى الأمر استعمال الهاتف.. نترصد من بعيد دخوله بسلاسة ونقف على تجاوزات خيالية في حق الزوار غير أنه بعد عودته أكد لنا تماما كما توقعنا أن الخلل فقط عند مسؤولي الأمن في الباب الذين يحاولون ابتزاز الزوار المستوفين لجميع الشروط بالمال أو ب “رشاوى” إن صح التعبير.
اتجهنا بعدها إلى الخمس نجوم و بالضبط (sofitel) كان استقبالا كلاسيكيا عاديا لم تكن تجاوزات أو أخطاء فادحة لكن للأسف روتينية و عياء ظاهر على جميع العاملين و زلات بسيطة في الربط بين نقط البيع و التنسيق.
يقولون ختامه مسك لكن للأسف في تحقيقنا كان ختامه عبث وحزن و الكارثة الكبرى!
من يعرف أكادير بالليل طيلة سنين يعرف (“papagayo”) لذلك فآمالنا كانت كبيرة حتى ننتشلها منتصرة في هذا التقرير خصوصا و أن أحد الأصدقاء يومين فقط قبل تحقيقي اتصل بي حتى أمده برقم المسؤول على النادي و كانت النتيجة حسنة نظرا للحضوة التي يلقاها كل محسوب على المدير.
الساعة الرابعة صباحا أي ساعة قبل وقت نهاية السهرة القانوني الذي بالمناسبة لا يحترمه المسؤولون. نركن السيارة بعيدا و نتقدم بثبات و أناقة إلى الباب الرئيسي بالموازاة مع فتياة ذوات قامة ممشوقة و شعر جميل التسريحة نحيي المسؤول الثاني للأمن الخاص فيرد التحية و يشير بدوره إلى “عبد الله” المسؤول الأول عن الأمن الخاص الذي يحيينا و يعمد بسرية إلى توجيهنا لنقطة الأداء نصف ساعة قبل انصرام الوقت ظنا منه أننا لم ننتبه إلى نهاية فترة الأداء و إقفال الصندوق حيث أن العرف يسمح بالدخول المجاني لمرتادي المكان.
هنا أعرف بالصفة طبعا ليس الصحفية! و أذكر المسمى عبد الله بأدب بأبجديات و قواعد المهنة بل بشراكاتنا القديمة معهم فنا كان له إلا أن يلمح لرغبته في تلقي المال على الرغم من أن صندوق الأداء مقفل أمام أعيننا! راسلت بلطف حينها المسؤول الأول على النادي و أعدت المحاولة كأي شخص عادي لا يملك امتيازات ! صديقي اتجه للسيارة بعد أن احتج أما أنا فاتصلت بمدير المنتجع السياحي الذي أشتغل فيه بمراكش و أعطيت الهاتف لعبد الله الذي تكلم بأدب بالغ مع المدير و طلب منه الإتصال بالمسؤول ليخلي مسؤوليته!
أقل من دقيقة بعدها يتزامن خروج بعض الأصدقاء الذين وجهوا لي التحية قائلا أحدهم باللغة العامية:
(“كانجيو لهاذ أكادير مكانعارفو باقي واش حنا لي متقدمين بزاف فمراكش و لا هاذ الناس لي واعرين بزاف”) على مرأى ومسمع الكل ذلك مع انسلال فتاة طلبت منها التظاهر بعدم معرفتي لأجد أمامي المسؤول الأول على النادي فأدرت ظهري و تظاهرت بعدم معرفته مما زاد من ثقة رجال الأمن الخاص ظنا منهم أنني تظاهرت بالإتصال به”) حدق بي من بعيد و قلب في جنباته، نظر إلى هاتفه و انصرف!
حينها قلت لهم لقد بالغت ربما في احترام عبدة المال ! خرجت الفتاة و انصرفما و هي تضحك مؤكدة لي أن النادي لم يعد كما كان حتى من الداخل و أن السياحة في عروسة الجنوب تحتضر!
انتشلوني، انتشلوني! فهل من مغيث..
السلطة الرابعة تطالب المسؤولين بالتدخل و تدق ناقوس الخطر!
السلطة الرابعة تعطيكم مراكش نموذجا رائعا للإقتداء به! شأنه شأن بعض المدن السياحية التي وجدت من يرتقي بها و من يضبط انفلاتاتها و يقدم ابتكارات خلاقة للإضطلاع بدور كبير في بلد تعد السياحة إحدى أهم ركائزه.
مملكتنــــــــــا.م.ش.س