بعد أزيد من ثلاث سنوات على إعلان وانشطن عزمها فتح قنصلية عامة لها في مدينة الداخلة بالأقاليم الجنوبية للمملكة، مازال مصير هذه التمثيلية الدبلوماسية مجهولا، رغم استمرار الإدارة الأمريكية الحالية في التشبث بموقف سابقتها التي اعترفت بسيادة المغرب على صحرائه، فيما يبدو أنه تردد من إدارة بايدن في الإقدام على هذه الخطوة المهمة بالنسبة لشريك إستراتيجي بالنسبة لواشنطن بحجم الرباط.
في هذا الإطار أكد دوكلاس بيتكين، مدير مكتب الميزانية والتخطيط بوزارة الخارجية الأمريكية، خلال ندوة صحافية على هامش عرض الميزانية الأمريكية في شقها الذي يهم الأنشطة الدبلوماسية، أنه “لا يوجد جدول زمني محدد لفتح القنصلية في الوقت الحالي”، مشيرا إلى أن “التخطيط بهذا الشأن مازال متواصلا للتواجد المناسب بسبب الظروف الأمنية”.
أجندة وفرصة
قال إدريس قسيم، أستاذ العلاقات الدولية بالكلية متعددة التخصصات بتازة: “لا بد أن نأخذ بعين الاعتبار أنه بعد التوقيع على الاتفاق الثلاثي المغربي-الأمريكي-الإسرائيلي، الذي التزمت بوجبه الولايات المتحدة الأمريكية بفتح قنصلية لها بمدينة الداخلة، فرض حدثان رئيسيان نفسيهما بقوة على أجندة السياسة الخارجية الأمريكية، يتعلق الأمر أولا بالحرب الروسية-الأوكرانية، وثانيا بالعدوان الإسرائيلي على غزة”.
وأضاف قسيم، في تصريح له ، أن “هذين الحدثين الضاغطين فرضا على إدارة الرئيس جو بايدن توجيه اهتمامها وتركيزها نحوهما بغرض التحكم في التداعيات والتأثيرات التي قد تطال الأمن القومي والمصالح الإستراتيجية لواشنطن”، مستدركا: “غير أن ذلك لا يعني أن الحسابات الأمريكية لا تستحضر الارتباطات الموضوعية بين ما يقع في فلسطين وأوكرانيا والتزاماتها المنضبطة لنسق تحالفاتها التاريخية التقليدية”.
في السياق ذاته، شدد الأستاذ الجامعي ذاته على أن “فتح قنصلية أمريكية في مدينة الداخلة وإن كان غير مدرج في أولويات السياسة الخارجية الأمريكية في هذه المرحلة فإن التراجع عنه أمر مستبعد، إذ تعي الإدارة الأمريكية الأهمية البالغة التي يوليها المغرب لهذا المسلسل برمته، الذي توجد في قلبه مسألة فتح قنصليات في الأقاليم الجنوبية للمملكة”.
ولفت المتحدث ذاته الانتباه إلى أن “هذه المسألة لا بد أن تكون حاضرة ضمن ترتيبات ما بعد حرب غزة، إذ إنه من المؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ستعملان على إعادة ترتيب علاقاتهما الخارجية ومحاولة تحسين صورتهما بعد الإخفاقات الأخلاقية والإنسانية التي واكبت العدوان على غزة، وبالتالي فإن احتمالات إعادة استدعاء مسار تطبيع العلاقات المغربية الإسرائيلية تظل قوية، وهو ما قد يوفر للمغرب فرصة للضغط على الولايات المتحدة من أجل الوفاء بالتزامها بفتح قنصلية في الداخلة”.
موقف سيادي
أوضح هشام معتضد، باحث في الشؤون الإستراتيجية، أن “تأخر واشنطن في افتتاح مقر قنصليتها العامة في الداخلة هو نتيجة مقاربة الديمقراطيين في تدبير هذا الملف الذي لا يعد أولوية بالنسبة لهم، رغم الموقف السيادي للولايات المتحدة الأمريكية الذي يعترف سياسيا بسيادة المغرب على كافة أقاليمه الجنوبية”.
وأضاف المصرح لهسبريس أن “المسألة مرتبطة بالتوجهات التدبيرية للإدارة الأمريكية الحالية التي تفضل الاكتفاء بالقرار الرسمي للدولة على تسريع تنزيل مخطط افتتاح قنصلية عامة لها فوق تراب الصحراء المغربية، والمرور إلى توسيع سياستها مع المغرب على مستوى أقاليمه الجنوبية”.
ولفت الباحث ذاته إلى أن “رهان الإدارة الأمريكية على ورقة الظروف الأمنية لتبرير تأخرها في تفعيل قرار فتح القنصلية رغم أنه تكتيك سياسي يندرج في خانة الدبلوماسية التواصلية إلا أنه يخدم المصالح الإستراتيجية للمغرب، خاصة في ما يتعلق بمصداقية خطابه السياسي الذي طالما ندد بتواجد مخاطر حقيقية في منطقته الإقليمية تهدد الاستقرار والأمن في المنطقة”.
وأشار معتضد إلى أن “تأخر افتتاح القنصلية لن يؤثر على العلاقات المغربية الأمريكية طالما هناك توجه سيادي قائم على الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه، والقيادة في الرباط واعية تماما بأن افتتاح القنصلية العامة لواشنطن في الصحراء هي مسألة أمن سياسي”.
وخلص الباحث في الشؤون الإستراتيجية إلى أن “الجمهوريين هم من اعترفوا بالسيادة السياسية للمغرب على صحرائه”، وزاد: “أعتقد أن مقاربة البيت الأبيض ستتغير بخصوص هذا الافتتاح المنتظر إن وصل ترامب مرة أخرى إلى قيادة الولايات المتحدة الأمريكية، إذ ستعمل الإدارة الأمريكية على إدراج الملف ضمن التوجهات والأولويات في المنطقة بعدما تم سحبه من طرف الإدارة الحالية تحت قيادة الديمقراطيين”.
مملكتنا.م.ش.س/وكالات
![]()








