محمود هرواك
ها هي نينغبو، تلك المدينة الصينية التي تشبه لؤلؤة خرجت من صدف الشرق الأقصى، تختار (في سابقة عربية إفريقية) أن تفتح سجل مواطَنتها الفخرية لاسم مغربي خالص، اسمٍ صُقِل على مهلٍ كما تُصقل نُصالُ السيوف في أفران الخبرة: الدكتور خالد الفتاوي. وليس من قبيل المصادفة أن يكون هذا التكريم قد حلّ عند عتبة ربع قرن من البذل؛ إذ إن الأعوام التي قطعها الرجل لم تكن مجرد تواريخ تدور في تقاويم الأيام، بل كانت خطوات محسوبة في طريق طويل من بناء جسور ظلت، زمناً طويلاً، تنتظر من يمدّ لها روحاً وفعلاً.
لقد رأت نينغبو، بعين يعرفها الصينيون جيداً ويقدّرون بها الرجال، أن هذا المغربي الذي جاءهم من مراكش (تلك التي تتكئ على عبق التاريخ كما يتكئ الحكيم على كتابه) لم يكن مجرد محامٍ ينظر في القوانين، ولا مجرد فاعل مدني يُعدّ البيانات ويحضُر الندوات، بل كان أقرب إلى سفير غير مُعلن، يمارس دبلوماسية المدن بتؤدةٍ واتزان، وينسج خيوط التعاون اللامركزي كما ينسج النسّاج حريراً يابانياً نادراً؛ لا يرفع صوته، ولا يطلب مجداً، بل يترك أثره يتكلم عنه.
وإنه لأمر ذو دلالة أن تمنح مدينة صينية عريقة مواطنتها الفخرية لرجل حمل الفكرة المغربية في جيبه كما يحمل المسافر تعويذته، وقدّمها للشرق باعتبارها بوابة للحوار لا جداراً للفصل. فمنذ أكثر من عقدين، مضى الدكتور الفتاوي في رحلاته بين المغرب والصين كمن يمشي بين ضفتين ليبني عليهما قنطرة من معنى. تحدث بلغة الثقافة حين احتاجت الثقافة إلى من يترجمها، وتدخل في دهاليز الاقتصاد حين استدعى الأمر شريكاً يمنح الثقة، ووقف في ردهات الجامعات حين كان التبادل الأكاديمي هو الطريق الأقصر نحو التفاهم.
وهكذا بدا كأنه رجل بثلاث ظلال: ظلّ المثقف الذي يعرفُ أن المعرفة ليست ترفاً في العلاقات الدولية، وظلّ الاقتصادي الذي يقرأ مؤشرات السوق بقدر ما يقرأ المؤشرات الحضارية، وظلّ الدبلوماسي الهادئ الذي يلتقط الفكرة من بين السطور، فيحوّلها إلى مشروع، ثم إلى واقع تتداوله المؤسسات.
إن تكريم نينغبو له ليس إلا إفصاحاً رسمياً عمّا ظلّ يُقال همساً: أن الدكتور خالد الفتاوي لم يكن مجرد فاعل في مسار العلاقات المغربية الصينية، بل كان أحد صناعها الحقيقيين، ومن كبار مهندسيها الذين يضعون اللبنات الأولى في صمت، ثم يتركون المباني تشهد عليهم. لقد اختار أن يمارس دوره خارج البروتوكول، فصنع لنفسه بروتوكولاً خاصاً: أن تكون العلاقة بين الشعوب أعظم من البيانات الرسمية، وأن يكون الفعل المتواصل أبلغ من أي خطاب.
ولعل أجمل ما في هذا الخبر أن الرجل لم يسعَ إلى تزيين اسمه، بل سعى إلى توطيد معنى، وهذا ما أدركته نينغبو حين رفعت اسمه في سجل مواطنيها الشرفاء. إن هذا اللقب، وإن بدا رمزياً في ظاهره، فإنه في جوهره وسامٌ للدبلوماسية الهادئة، ودليل على أن العالم لا يزال يعترف بالعمل الذي يُنجز بصدق، بعيداً عن بهرجة الصور وعدسات الاحتفاء العابر.
وهكذا، حين يقرأ المغاربة اليوم هذا الخبر، فإنهم لا يقرأون مجرد جملة من قبيل “منحته الصين مواطنتها الفخرية”، بل يقرأون سرداً طويلاً لرجل حمل اسم وطنه وألقاه هناك، في أقصى الشرق، كما تُلقى البذرة في تربة خصبة؛ تتفتح، فتصير شجرة. لقد منحت نينغبو الدكتور الفتاوي صفة مواطن فخري، لكنها بذلك منحت المغرب أيضاً برهاناً جديداً على أن أبناءه، حين يشاؤون، يصنعون لأنفسهم ولبلادهم موطئ قدم في خرائط المجد الدولي، بصمت الحكماء وأناقة الفعل الراسخ.
مملكتنــــــــــا.م.ش.س
![]()








