الرباط – واجهت الشبكة المائية بالمملكة المغربية اختباراً طبيعياً حقيقياً خلال الأسبوع الأخير من شهر ماي، إثر موجة حر “استثنائية” ضربت مختلف أقاليم الجغرافيا المغربية الممتدة من شمال البلاد وشرقها إلى جنوبها، منذ الثلاثاء 20 ماي الجاري.
ورغم الارتفاع الحاد في درجات الحرارة الذي يحفّز علمياً معدلات التبخر المائي أظهرت الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة التجهيز والماء، اليوم الجمعة، صموداً متيناً للمخزون المائي الإجمالي، الذي أبى إلا أن يستقر عند مستويات مطمئنة تتجاوز سقف 75 بالمائة.
وتؤشّر قراءة متقاطعة للبيانات الإحصائية الرسمية، أجرتها الجريدة ، بين يومَي 20 و29 ماي 2026 إلى أن المنظومة المائية الوطنية أبدت “مرونة عالية في امتصاص الصدمة المناخية”؛ إذ لم تتراجع النسبة الإجمالية لملء السدود إلا بنحو طفيف جداً لم يتعدَّ 0.19%، مستقرة في حدود 75.83% يوم 29 ماي مقارنة بـ 76.02% في بداية موجة الحر، قبل نحو 10 أيام.
“فوارق طفيفة”
عند مقارنة الأحجام المائية بالأرقام المطلقة يتضح حجم الصمود، فقد تراجع الحجم الإجمالي المخزن في السدود الكبرى للمملكة من 12.945,16 مليون متر مكعب في 20 من الشهر الجاري إلى 12.911.49 مليون متر مكعب في الـ29 منه.
يعني ذلك فقدان نحو 33.67 مليون متر مكعب فقط على الصعيد الوطني جراء موجة الحر وارتفاع وتيرة الاستهلاك والتبخر، في معدل “طبيعي ومحدود جداً” بالنظر إلى حجم الضغوط الحرارية المسجلة.
ومما يبعث على الارتياح المائي المقارن هو الفارق الشاسع والنوعي بين الوضعية الحالية ووضعية الفترة نفسها من السنة الماضية (2025)، إذ كانت نسبة الملء الإجمالية تترنّح حينها دون حاجز الـ 40% (سجلت 39.74% في 29 ماي 2025)، ما يترجم الأثر الإيجابي البالغ للموسم المطري الحالي على تأمين الحاجيات الحيوية للمواطنين والاقتصاد الوطني.
ماذا تكشف الخريطة المائية للأحواض؟
كشفت التفاصيل القطاعية لتوزيع الحقينات المائية على مستوى الأحواض الهيدروليكية التسعة بالبلاد عن تباينات “طفيفة” تعكس طبيعة المناخ الإقليمي وحجم التدفقات المائية في كل جهة.
وفي التفاصيل مازال حوض سبو (الشريان المائي الأكبر بالمملكة) يظهر “استقراراً كبيراً”، إذ تراجعت نسبة ملئه من 88.43% إلى 88.22%، محتفظاً بحجم مائي ضخم يناهز 4,737.61 مليون متر مكعب، مدعوماً بالأداء القوي لسد “الوحدة” الذي استقر حجمه عند 3,063.08 مليون متر مكعب، وبنسبة ملء بلغت 88.73%.
وبينما سجل حوض “اللوكوس” (شمال غرب) تراجعاً طفيفاً من 91.91% إلى 91.08% يشهد حوض “أبي رقراق” انخفاضاً مشابهاً من 90.01% إلى 89.13%، بفعل ارتفاع الطلب على الماء الشروب في المحور الساحلي الإستراتيجي (من نواحي الرباط إلى بعض عمالات الدار البيضاء).
شرقاً، انخفض “ملوية” بشكل طفيف جداً مستقرا عند 72.94%، بينما تراجع حوض تانسيفت (الذي يغذّي أساسا مراكش وأحوازها) إلى 94.41%، بينما تظل نصف سعة حوض سوس ماسة ممتلئة (54.18%).
وعلى نقيض المنحى العام للانخفاض سجلت بعض الأحواض “انتعاشاً محدوداً ومفاجئاً” رغم القيظ؛ في مفارقة رقمية دالة رغم اقتراب فصل الصيف. وارتفع، تبعاً لذلك، منسوب حوض أم الربيع من 65.72% في 20 ماي إلى 65.96% في 29 ماي، كاسباً نحو 12 مليون متر مكعب إضافية (خاصة في سد المسيرة الذي ارتفع إلى 43.24%). وبالمثل انتعش حوض “درعة واد نون” بشكل طفيف من 37.93% إلى 38.32%، وهو ما يُعزى غالباً إلى ذوبان الثلوج المتبقية في القمم أو تفريغ بعض السدود التخزينية بالمرتفعات.
ويظل بقاء المخزون المائي للمملكة متجاوزاً عتبة 12.9 مليار متر مكعب، مع مطلع فصل الصيف والارتفاع المبكر لدرجات الحرارة، عامل طمأنة يمنح السلطات العمومية والمدبرين للشأن المائي هامش “مناورة مريح جداً” لتأمين التزويد بالماء الشروب ومياه السقي للمواسم الفلاحية الحالية والمقبلة.
ومع ذلك يرى خبراء ومختصون أن هذا الصمود الإيجابي للأرقام لا يجب أن يُسقط من الحسبان ضرورة الاستمرار في “نهج سياسة اليقظة وحكامة ترشيد استهلاك المياه”؛ فموجات الحرارة المتتالية هي جرس إنذار مناخي يستوجب الحفاظ على كل قطرة ماء وتجنب الهدر، لضمان استدامة هذه الطفرة المائية وتأمينها على المدى الطويل.
![]()








