آخر الأخبار

  • وزارة التربية الوطنية تمنع المدارس الخصوصية من بيع الكتب المدرسية

  • توقعات أحوال الطقس اليوم الثلاثاء بالمغرب

  • تصنيف الفيفا .. المغرب ينهي كأس العالم في المركز السادس عالميا 

  • جلالة الملك يستقبل والي بنك المغرب 

  • والي جهة سوس ماسة يشرف على افتتاح الدورة الرابعة لمعرض “إمي ودار تامري” للمنتوجات المجالية

  • صاحب الجلالة يهنئ الملك فيليبي السادس بمناسبة فوز المنتخب الإسباني بكأس العالم

بين جراح النفس وميزان العدالة .. في خطورة التضامن الأعمى ومزالق الإدانة الافتراضية

محمود هرواك

في هذا العصر الرقمي المتسارع حيث تُنصب المشانق الافتراضية بضغطة زر، وتُتلى صكوك الإدانة قبل أن يجف حبر الادعاء، أجد نفسي مدفوعا إلى التريث، ممسكاً بقلمي عن الانخراط في جوقة التضامن العاطفي الجارف! إن صمتي المبدئي واحتياطي الشديد في التعاطي مع قضية لبنى الجوهري لا ينبعان من قسوة قلب أو انعدام للإنسانية؛ بل على العكس تماما، أنا أتمنى لها من عمق الصدق الشفاء العاجل وتجاوز هذه المرحلة النفسية العصيبة التي تعصف بوجدانها.

ولكنني، ومن موقع المسؤولية الأخلاقية والكلمة الرصينة، أرفض أن أسلم عقلي ل “محاكم التفتيش” الجماهيرية التي تقتات على العواطف وتغتال الحقيقة في غمرة الانفعال.

إن جريمة الاغتصاب هي، بلا شك، اغتيال معنوي وسلب وحشي للكرامة الإنسانية، وهي من أبشع ما قد يقترفه إنسان ضد آخر. ولأنها بهذه الدرجة من البشاعة والخطورة، فإن مجرد توجيه الاتهام بها (دون حجج دامغة وأدلة مادية قاطعة) يُعد جريمة موازية لا تقل فداحة! فالادعاء بالاغتصاب يلقي بظلاله المدمرة ليس فقط على المتهم الذي قد يُغتال اجتماعيا ومهنيا، بل يمتد ليطعن في مصداقية الناجيات الحقيقيات اللواتي يناضلن يوميا لإيصال أصواتهن إلى منصات العدالة.

حين نُشرّح هذا المشهد من منظور نفسي عميق، ندرك أن النفس البشرية في فترات الهشاشة والانهيار قد تنسج واقعا بديلا يحميها من الانهيار التام. تحت وطأة الضغوط النفسية المتراكمة، أو الصدمات القديمة، أو حتى الرغبة اللاواعية في لفت الانتباه وتلقي الدعم، قد تقع الذاكرة فريسة لما يُعرف بـ “الذكريات الكاذبة” أو “الإيحاء الذاتي”. العقل الباطن، في لحظات ضعفه القصوى، قد يخلط بين شعور حقيقي بالقهر المعنوي وبين وقائع مادية لم تحدث قط، فيترجم الألم النفسي إلى ادعاء باعتداء جسدي. هنا، يصبح المريض أو المدعي ضحية لخياله المكلوم قبل أن يكون ضحية لأي شخص آخر. ولذلك، فإن الانسياق العاطفي خلف هذه الادعاءات لا يعالج جراح المشتكية، بل يغذي أوهامها ويمنع عنها التدخل النفسي والعلاجي الذي تحتاجه حقا.

ولو قلبنا صفحات التاريخ الجنائي والإعلامي، لوجدنا أمثلة صارخة تدق نواقيس الخطر، محذرة من مغبة التضامن الأعمى. لنتأمل قضية “تاوانا برولي” في الولايات المتحدة أواخر الثمانينيات، حين ادعت المراهقة تعرضها لاغتصاب وحشي من قبل مسؤولين، فاشتعل الرأي العام وخرجت المظاهرات الغاضبة، وكادت البلاد أن تدخل في أتون فتنة عرقية واجتماعية، قبل أن تُثبت التحقيقات الجنائية الصارمة أن القصة برمتها كانت من نسج الخيال لتبرير غيابها عن المنزل. وكذلك قضية لاعبي فريق “ديوك لاكروس”، حيث التهمت الآلة الإعلامية الجارفة سمعة شبان في مقتبل العمر بناء على ادعاءات امرأة تبين لاحقا تناقضها وزيفها.. ولو عُدنا أيضا للتمعن في سجلات التاريخ الجنائي والنفسي، لوجدنا قضايا هزت وجدان المجتمعات قبل أن تتهاوى كقصور من رمل أمام الحقيقة المادية؛ وأبرزها تلك الحالات القاسية التي بلغت فيها مأساة “الذكريات المزروعة” ذروتها حين اتهمت فتيات آبائهن باقتراف هذا الجرم الشنيع. ولعل قضية “هولي رامونا” (Holly Ramona) في تسعينيات القرن الماضي تقف شاهدا صارخا على ذلك؛ إذ استفاقت الفتاة تحت إيحاءات وضغوط العلاج النفسي الموجه لتقتنع يقينا بأن والدها كان يعتدي عليها طوال طفولتها، فتم تدمير الأسرة واغتيال سمعة الأب، قبل أن تثبت التحقيقات الجنائية الصارمة والخبرات الطبية المستقلة أن الذاكرة تعرضت لما يسمى في علم النفس “التخليق والتصنيع” أثناء الجلسات، ولينطق القضاء ببراءة الأب التاريخية وتكذيب الادعاء. وتتكرر الذروة ذاتها في قضايا شهيرة كـ “تاوانا برولي” التي ادعت اغتصابا جماعيا واشتعل لها الرأي العام قبل أن يثبت كذب الرواية.. في كل تلك الحالات، كان التضامن العاطفي الأعمى هو الوقود الذي أحرق الأبرياء قبل أن تتدخل برودة القانون لتطفئ الحرائق.

من المنطلق القانوني، تظل القاعدة الذهبية التي أرستها الحضارات الإنسانية هي أن “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”، وأن “البينة على من ادعى”. لا يمكن، ولا ينبغي، الاستعاضة عن المحاضر الرسمية، والقرائن الجنائية، والفحوصات الطبية، بمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أو مقاطع فيديو تذرف فيها الدموع. إن العدالة لا تُبنى على النوايا الحسنة والتعاطف الجماهيري، بل على اليقين والبرهان. تحويل الفضاء الأزرق إلى قاعة محكمة يصدر فيها الغوغاء أحكامهم هو إعلان صريح بوفاة دولة الحق والقانون، وتأسيس لشريعة الغاب الرقمية.

أخلاقيا، نحن مدعوون اليوم إلى ممارسة أعلى درجات النضج والضبط الذاتي. إن الكلمة أمانة، ومشاركة المنشورات التضامنية أو الاتهامية دون تثبت هي مشاركة فعلية في جريمة التشهير. واجبي كقلم يقف على مسافة النقد والتحليل أن أقول: إن محبتنا للخير وتمنينا السلامة النفسية للبنى لا يجب أن يُترجما إلى تصديق أعمى يُعلق المشانق لآخرين دون دليل.
إن التضامن الحقيقي مع من يمر بضائقة نفسية أو أزمة ادعاء لا يكون بتأجيج النيران ودغدغة العواطف، بل بالدعوة الصادقة للاحتكام إلى مؤسسات الدولة، وتوفير الرعاية النفسية اللازمة لمن يحتاجها. لنجعل من العقل مرشدنا، ومن القانون مرجعنا، ولنحفظ لدموع التعاطف قيمتها فلا نهدرها في سراب الادعاءات غير الموثقة، ولتكن مواقفنا مؤسسة على صلابة الحق، لا على رخاوة الانفعال.

اقرأ أيضا
  • وزارة التربية الوطنية تمنع المدارس الخصوصية من بيع الكتب المدرسية

    مملكتنا/
    يوليو 21, 2026
  • توقعات أحوال الطقس اليوم الثلاثاء بالمغرب

    مملكتنا/
    يوليو 21, 2026
  • تصنيف الفيفا .. المغرب ينهي كأس العالم في المركز السادس عالميا 

    مملكتنا/
    يوليو 20, 2026
أخبار آخر الساعة
  • وزارة التربية الوطنية تمنع المدارس الخصوصية من بيع الكتب المدرسية

  • توقعات أحوال الطقس اليوم الثلاثاء بالمغرب

  • تصنيف الفيفا .. المغرب ينهي كأس العالم في المركز السادس عالميا 

  • جلالة الملك يستقبل والي بنك المغرب 

بين جراح النفس وميزان العدالة .. في خطورة التضامن الأعمى ومزالق الإدانة الافتراضية