محمود هرواك
أطل مشروع القانون رقم 66.23، المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، كعاصفة هوجاء ضربت أطناب الساحة القانونية، وأشعلت فتيل مواجهة ضارية بين فرسان البذلة السوداء، الحراس العتاة لتقاليد المهنة واستقلاليتها، وبين وزير العدل الذي ارتدى عباءة المصلح العنيد، رافعا لواء التأهيل والمراقبة بصرامة لا تلين ولا تهادن! لقد بدأت الحكاية كرونولوجيا من رحم نقاشات شائكة ومخاض عسير، حيث تجاذب الطرفان حبل المطامح والمخاوف، فبينما رأى الوزير في مشروعه ترياقا ناجعا لقصور يعتري الرقابة المالية وهيكلة المكاتب، رأت الهيئات في طياته قيودا غليظة تكبل صهوة الدفاع وتخنق أنفاس الاستقلالية! وهكذا، انتقل شرر الخلاف من ردهات الحوار إلى قبة البرلمان، ليبلغ ذروته حين رفع رئيس مجلس النواب، بصفته المؤسساتية، وثيقة الإحالة إلى المحكمة الدستورية، في خطوة بدت وكأنها رمية نرد أخيرة لفض النزاع، في وقت وقفت فيه المعارضة البرلمانية مكتوفة الأيدي، يعوزها النصاب العددي العتيد المتمثل في خُمس الأعضاء، فاكتفت بالتواري خلف الملاحظات الكتابية، مؤثرة الغنيمة الباردة على خوض غمار طعن مباشر أعيته الحيلة والأرقام الحادة.
غير أن الرياح الدستورية جرت بما لا تشتهي سفن التشريع المستعجلة؛ ففي لحظة ترقب حبست فيها الأنفاس، نطقت المحكمة الدستورية بقرارها المفصلي رقم 277/26، لترمي بالملف في وجه الاستعجال برد شكلي لا يقبل التأويل ولا يعترف بأنصاف الحلول! لم يكن القضاء الدستوري هنا منحازا لصرخة المحامين الغاضبة، ولا مصطفا خلف إصرار الوزير الحازم، بل اعتلى صهوة الحياد المطلق، متدثرا بجبة القاضي الذي لا يرى إلا بعين المساطر الدقيقة وميزان الدستور الصارم، ليصرح بتعذر البت في الإحالة على حالها. لقد كان هذا القرار بمثابة صفعة مسطرية باردة أفاقت الفاعلين على خطأ إجرائي ساذج؛ إذ كيف يُعقل أن تُحيل مؤسسة تشريعية عريقة تقريرا للجنة نيابية ومشروعا لم تكتمل دورته، بدلا من إرسال النص النهائي الذي حظي بالمصادقة الكاملة!؟ إنها سقطة في المبنى قبل المعنى، وفي الشكل قبل المضمون، أعادت إلى الأذهان سوابق تاريخية مألوفة، كقرار النظام الداخلي لمجلس النواب سنة 2011 وتلك الإحالات المبتسرة لعام 2019، التي وأدها القضاء الدستوري في مهدها، مرسخا قاعدة ذهبية لا محيد عنها، مفادها أن الولاية الدستورية لا تنعقد إلا على القوانين التامة، ولا سبيل لرقابة على جنين تشريعي لم تكتمل ملامح ولادته ولم يشتد عوده بالتصويت النهائي.
بهذا الحكم الإجرائي البليغ، انقشع غبار المعركة مؤقتا، ليقف كل طرف أمام مرآة قراءته الخاصة؛ فالمحامون التقطوا هذا التعثر الشكلي كطوق نجاة، أو بالأحرى كاستراحة محارب تمنحهم متسعا من الوقت لرص الصفوف وتأجيج الضغط أملا في تطويع المواد العصية وفرض واقع جديد قبل النطق النهائي، بينما تلقف الوزير وحكومته النبأ بصدر رحب، معتبرين العثرة مجرد كبوة إدارية في مسار حتمي لن يحيد عن وجهته. وبين التأجيل والتعجيل، يقف المشهد اليوم على أعتاب سيناريوهات مفتوحة، مرهونة بمدى سرعة الأمانة العامة للبرلمان في تدارك زلتها الإجرائية، وإرسال النص الكامل المكتمل، لتدور عجلة الزمن الدستوري من جديد في سباق لا يتعدى شهرا من الزمان، أو ربما أياما معدودات إن نودي فيه بالاستعجال لتقلص المدة إلى ثمانية أيام! حينها فقط، ستنزع المحكمة الدستورية نظارة الشكل لترتدي مجهر الموضوع، وستنتقل المعركة من ردهات الإجراءات الباردة إلى صميم الدستور الحارق، في فصل ختامي سيحسم لا محالة هوية النص ومصيره، في أشرس مواجهة قانونية عرفتها مهنة النبلاء في تاريخها المعاصر.
ولعل الأهم من ذلك كله ختاما حين تضع الحربُ التشريعية أوزارها وينطق القضاء الدستوري بكلمته الفصل التي لا تعقيب عليها ولا مرَدّ لها، سيبقى الرهان الحضاري الحقيقي متمثلا في مدى قدرة جميع الأطراف على التسامي فوق حسابات الربح والخسارة، والإذعان المطلق لسلطان الدستور وسموه. فلا مناص لفرسان البذلة السوداء، وهم سدنة العدالة وحراس المشروعية، ولا للحكومة، وهي الراعية لمبدأ دولة المؤسسات، إلا أن يتلقفا الحكم المرتقب بصدور رحبة وأفئدة مطمئنة، يعلي فيها الجميع المصلحة الوطنية العليا فوق المطامح الفئوية والرؤى القطاعية الضيقة. إن قبول الأحكام الدستورية بروح رياضية وأخلاق قانونية رفيعة لن يكون امتثالا مسطريا باردا بقدرما سيشكل تجسيدا حيا لسيادة القانون، والعنوان الأبرز لنضج التجربة الديمقراطية؛ حيث تتلاشى نبرات التحدي، وتذوب مرارة الخلاف في بوتقة الشرعية، ليكون الجمعُ كلُّه (غالبا كان أم مغلوبا ومنتصرا كان أم منكسرا) منتصرا في نهاية المطاف لدولة الحق والعدل، وممتثلا لما ارتضته الأمة في وثيقتها الأسمى، بعيدا عن تشنجات السجال وضغائن الخصام.








