بوشعيب هارة
من سلمية 1975 إلى دينامية الدبلوماسية الاستراتيجية
تتجدد ذكرى المسيرة الخضراء في وجدان المغاربة لتؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن ملحمة السادس من نوفمبر 1975 لم تكن حدثاً تاريخياً معزولاً، بل كانت النواة الصلبة والجذر الاستراتيجي الذي تتكئ عليه الدبلوماسية المغربية اليوم. فإذا كانت زحوف 350 ألف مواطن ومواطنة قد استرجعت الأرض بسلاح السلم والقرآن آنذاك، فإن الرباط تخوض اليوم معارك جيوسياسية وميدانية كبرى لحسم سيادتها الترابية بشكل نهائي.
وفي ظل تحولات إقليمية ودولية بالغة التعقيد، تتقاطع الروح السلمية للمسيرة مع واقع استراتيجي جديد تعيد فيه المملكة رسم خارطة الاستقرار والتنمية في شمال إفريقيا والبوابة الأطلسية.
1. المينورسو وتصفية الوصاية: إسقاط الأجندات التقليدية في ميزان السيادة
تتزامن ذكرى المسيرة هذا العام مع هزات مرتدة في أروقة الأمم المتحدة، لا سيما ما يتعلق بمسار بعثة “المينورسو” والنقاشات المستمرة داخل مجلس الأمن الدولي:
- نهاية التدبير التقليدي للنزاع: يواجه النظام الأممي اليوم حتمية تاريخية لطي صفحة الوصاية والتدوير اللانهائي لملفت تم استغلالها لعقود لإبقاء التوتر مفتوحاً، في ظل تغير موازين القوى وصياغة قرارات دولية صارمة تدفع نحو الحلول الواقعية.
- السيادة كأمر واقع: تستثمر الدبلوماسية المغربية هذا المخاض الأممي لتكريس واقع لا رجعة فيه على الأرض، قوامُه أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هي الحل الأوحد، الجدي، والواقعي الذي يحظى بدعم متسارع من عواصم صنع القرار العالمي (مجلس الأمن، والعديد من الدول دائمة العضوية).
2. مناورات الجزائر والهروب إلى الأمام: مأزق الخيارات الضيقة
في المقابل، وعلى الجانب الآخر من الحدود، تعيش القيادة الجزائرية حالة من التخبط الدبلوماسي والميداني في محاولة يائسة لعكس اتجاه حركة التاريخ: - استعراضات العسكر وتأجيج الخطاب: تلجأ المؤسسة العسكرية في الجزائر باستمرار إلى إجراء مناورات تكتيكية واستعراضات عسكرية، أو تصعيد الخطاب العدائي، في محاولة لرفع معنويات جبهة “البوليساريو” في مخيمات تندوف والتغطية على الإخفاقات الدبلوماسية المتتالية قارياً ودولياً.
- الأزمة الإنسانية والحقوقية: يتخبط النظام الجزائري تحت ضغوط دولية متزايدة حول وضعية المحتجزين في مخيمات تندوف، وسط مطارات حقوقية بضرورة إحصائهم ووقف استغلال المساعدات الإنسانية لأغراض سياسية وعسكرية، مما يضع خطابه الإقليمي في عزلة تامة عن الدينامية الدولية الداعمة للتنمية والاستقرار.
3. تقاطعات الكواليس الدولية: رهان “الناتو” والأفق الأطلسي
لم يعد ملف الصحراء المغربية حبيس جغرافياه الإقليمية الضيقة، بل غدا جزءاً لا يتجزأ من الأمن الاستراتيجي العالمي وحسابات القوى الكبرى وحلف شمال الأطلسي (الناتو): - الأمن الشامل ومكافحة التهديدات: يدرك الحلفاء الغربيون أن المغرب يشكل الحصن المنيع والشريك الأكثر موثوقية في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل في محاربة الإرهاب، الجريمة العابرة للحدود، وأمن الطاقة والملاحة الدولية.
- القطب التنموي الأطلسي: تحولت الأقاليم الجنوبية للمملكة (العيون، الداخلة وبتجليات كبرى) إلى ورش مفتوح وقاطرة للتنمية ومنصة لوجستية استراتيجية تربط عمق إفريقيا بأوروبا والأمريكتين. وتأتي الرؤية الملكية في المبادرة الأطلسية الموجهة لدول الساحل لتجعل من أمن الصحراء المغربية ركيزة محورية للأمن والسلم الدوليين.
المسيرة مستمرة.. والسيادة قدر محتوم
إن ربط خيوط الماضي بالحاضر يكشف بوضوح أن التحولات الدبلوماسية الكبرى، وسقوط أطروحات الخصوم تباعاً، والاعترافات الدولية المتنامية بمغربية الصحراء، ليست سوى امتداد طبيعي لروح المسيرة الخضراء.
فكما انطلقت المسيرة سلمياً سنة 1975 لتصنع مجد استرجاع الأرض، تواصل مسيرة اليوم – تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس وعزم الشعب المغربي – ترسيخ دعائم التنمية والسيادة، لتؤكد أن الصحراء في مغربها والمغرب في صحرائه، وأن عجلة النماء والبناء لا يمكن أن تتوقف أبداً.
مملكتنا.م.ش.س








