أحمد بن يسف فنان رسومه تبشر بعودة الأندلسي الضائــــــع
يعترف بأن حياته كانت دائما حصيلة للتفاؤل. بعد أربعين سنة من الرسم صار ممكنا بالنسبة إليه أن يثبت أن الرسم هو الآخر يمكنه أن يكون وسيلة لعيش مترف. بعد أربعين سنة من السفر صار ممكنا بالنسبة إليه أن يزعم أن العالم فضاءه الشخصي الذي تسبح فيه نجمة وحيدة اسمها تطوان.
خفة الواقع الذي لا يــــــرى
المغربي الذي استعاد متره المربع الضائع في الأندلس كان يقول في صباه إن الإنسان لا يختار مكان ولادته غير أنه يكون قادرا في ما بعد على اختيار مكان إقامته. وهو ما فعله في وقت مبكر من حياته.
وإذا ما كان أحمد بن يسف يحرص على أن يتنقل بين ثلاث مدن، إشبيلية وتطوان وطنجة كما لو أنهن يتنافسن على إلهامه فإن اللوحة هي مكان إقامته الحقيقي. المكان الذي تُشكّل فيه أحلامه. هناك يقيم مع ظلال وأشباح كائناته التي تستأنف حياتها ممتزجة بصبر بأصباغه التي تهبها طرق عيش مادتها جمالها الاستثنائي.
بن يسف الذي وعد نفسه بالعيش بكرامة من خلال الفن يحرص على أن يقدم الإنسان في رفعته، مهابا وهو يكمل الطبيعة ويقول لها “يا أختي”.
ما تعلّمه بن يسف حين قرر أن يكون رساما سيشده دائما إلى داخل الرسم. وهو ما دفعه إلى القبض على نظام الأشياء بيدين قويتين لم تسمحا لفوضى الحواس بالتسلل إلى عالمه. منحه إصراره على الالتزام بقواعد الرسم مهارة فريدة من نوعها في التعبير عن مزاج الإنسان في مختلف حالاته الشعورية.
الرسم بالنسبة إلى بن يسف هو تجربة مزاج ينأى بالواقع بعيدا عمّا يُرى منه مباشرة. هذا رسّام يزن الأشياء بميزان مزاجه الذي يهب الخفة لأكثر المواقف ثقلا. وهي خفّة يضفي عليها الخيال طابع الحياة المستعادة.
بن يسف رسام واقعي ، لكن بأي معنى؟ إنها واقعية سحرية، تعيد تركيب المشاهد وهي تمر عبر شاشة الحلم.
مجد الرسام على الأوراق النقدية
ولد أحمد بن يسف في أحد الأحياء التاريخية بمدينة تطوان، شمال المغرب عام 1945. درس الرسم في مدرسة الفنون الجميلة بتطوان التي أسسها رسام أسباني هو بيتوتشي. وهي المدرسة التي تخرّج منها عدد من أهم فناني المغرب وطبعت الفن المغربي الحديث بطابعها. غير أن بن يسف على خلاف زملائه من الفنانين المغاربة فضل الصرامة الكلاسيكية على التماهي مع الحرية التي فرضها الفن الحديث على أساليب التعلم حين قرر أن يكمل دراسته في مدرسة إشبيلية التي كانت من وجهة نظره الأفضل في تشددها وحرصها على قواعد الرسم.
يقول “أنا أؤمن بأن للحرية حدودا ضاقت أو أتسعت”، ويضيف “رأيت فيها (المدرسة) مؤسسة مناسبة لأسلوب حياتي الذي هو فوضى منظمة” تلك الفوضى المنظمة هي ما حصّنته وأبقته بعيدا عن تأثيرات الأسباني تابيس التي شكلت ولا تزال تشكل مرجعية أساسية لجزء من الجهد التشكيلي المغربي، بكلّ ما يمثله ذلك الجهد من قيمة على المستوى العربي.
بعد تخرجه حصل على منحة من أجل المناظر الطبيعية خولته الإقامة في غرناطة باعتباره رساما متفرغا. أليس ذلك ما حلم به؟
عام 1970 أنهى بن يسف دراسته العليا في إشبيلية فسأله أصدقاؤه “أين تنوي البدء بعملك في التدريس، في المغرب أم في أسبانيا؟” فأجابهم بعفوية بأنه لا يرغب في أن يكون معلما، بل سيستمر طالبا في الحياة. وهو ما لا يزال يفعله حتى هذه اللحظة.
هناك اليوم في مدينة بسطات المغربية مكان لتعليم الخزف والرسم اسمه “محترفات أحمد بن يسف للفنون” وهي مؤسسة ذات استعمالات متعددة. تأسست إثر إقامة معرض تكريمي لبن يسف عام 2010.
غير أن بن يسف كان قد كُرس وطنيا يوم طبعت لوحته “المسيرة الخضراء” على الأوراق النقدية المغربية. كان ذلك حدثا غير مسبوق. فهي المرة الأولى ولا تزال الوحيدة التي تظهر فيها لوحة لفنان مغربي على الأوراق النقدية.
فعلها قدر بن يسف السعيد ولم يفعلها الفنان بنفسه.
حين أنجز بن يسف لوحته “إعدام في القصبة 7 مايو 1911” استذكر لوحة الأسباني فرانشيسكو غويا “الثالث من مايو 1808”. التكوين الإنشائي نفسه، غير أن الخلفية كانت مختلفة. الجريمة تقع في المغرب هذه المرة. وكما أرى فإن استعارة المشهد من غويا، الرسام المعذب بوطنيته الأسبانية له دلالة كبيرة في هذا المجال. “ما يفعله الأسبان بنا كان الفرنسيون قد فعلوه بهم في أوقات سابقة”، ولا يخفي بن يسف أسلوبه التقليدي في تلقي تعاليم معلمه في الرسم غويا، وهو أسباني كما هم القتلة الذين نفذوا حكم الإعدام بمغربي مثله. هنا بالضبط تبدو اللعبة الأسلوبية ملتبسة.
درس غويا المغربــــــــــــــــي
غويا ليس من صنف القتلة كما أن يسف لن يحمل في نفسه عقدة الضحية التي ترى في كل أسباني عدوّا. لقد أحيا الفنان المغربي لوحة فنان أسباني في ذكرى عملية قتل نفّذها الفرنسيون في عصر نابليون في حق الأسبان، الذين لن يخطر ببالهم أن جريمة مشابهة ستقع لتحمل آثار أصابعهم.
لم يقلد بن يسف غويا حين أعاد رسم لوحته، بطريقة تضع التاريخ موضع تساؤل.
كان الأيرلندي فرانسيس بيكون قد أعاد رسم واحدة من لوحات الأسباني فيلاسكز التي تصور بابا الفاتيكان. اللوحة نفسها أعاد رسمها بيكاسو. في المرتين كان فيلاسكز يحضر مثل شبح.
قفز بن يسف على الزمن ليكون غويا ممكنا باعتباره فنانا يقول الحقيقة.
لوحة بن يسف تلك هي عبارة عن درس مغربي في قراءة التاريخ من خلال لوحة رسمها عدوّ، لم يكن في حقيقته سوى ضحية.
بيسر يمكن أن يُنسب بن يسف إلى الأسلوب الرومانسي في الفن. وقد يخطئ البعض في اعتبار رسومه نوعا من المحاكاة لرسوم المستشرقين. وهو ما يضفي نوعا من التعقيد على تلك الرسوم.
ببساطة يمكنني القول إن أحمد بن يسف هو رسام يجد راحته في العودة إلى قواعد الرسم. بهذا المعنى يمكن النظر إليه باعتباره رساما تقليديا. وهي صفة تسعده بقدر ما تزعج الآخرين. إنه ينتج الرسم مثلما تعلمه. وهو يضعنا حين يرسم أمام تجربة حياة حقيقية، يشكل الواقع مادتها الأساسية، غير أنه واقع تغلب عليه الأحلام. فليس أمام الأندلسي الذي هو مزيج من هويتين، مغربية وأسبانية سوى أن يقر بإخلاصه لهويتيه وإلا سيكون معرّضا للتمزق النفسي. لقد اختار بن يسف أن يمضي هادئا ومطمئنا ليرصد الجانب الإنساني الذي يصل بين جناحيه.
ساعدته نزعته الكلاسيكية على عدم التماهي مع إنجازات الفن الأسباني الحديث، غير أنها في الوقت نفسه جعلته يقف وحيدا في مواجهة تجارب الفنانين المغاربة الحداثوية. وهي تجارب لم تكن مرجعياتها الأسبانية بعيدة عن عينيه. لذلك قد يكون بن يسف محقا في نقده لتجربة الحداثة الفنية في المغرب، غير أنه في حقيقة ما أنجزه لم يقدم البديل الذي يمكن قبوله باعتباره درسا مختلفا .
مملكتنا.م.ش.س/عرب
![]()






