آخر الأخبار

  • جلالة الملك يقبل طلب إعفاء الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل ماديحة خيير

  • من يحمي الشغالة والاستثمار الصغير بالشلالات ؟ .. قصة مواطن يُبتز ويهدد بالقتل ومحله التجاري يواجه الإغلاق !

  • معرض الفرس بالجديدة .. تتويج سربة المقدم شرف البحراوي بالجائزة الكبرى لصاحب الجلالة الملك محمد السادس للتبوريدة 

  • توقعات طقس اليوم الأحد بالمغرب

  • “إنها الثورة” .. فرنسا تشتعل بالاحتجاجات والأمن يمنع مسيرة نحو قصر الإليزيه

  • زخات رعدية مع احتمال تساقط البرَد وهبات رياح يومي السبت والأحد بعدد من مناطق المملكة (نشرة إنذارية محينة) 

المـرأة العربيــة والإبـــداع … هل كتابة الأنثى هامش نســــوي

المـرأة العربيــة والإبـــداع … هل كتابة الأنثى هامش نســــوي

مفهوم الأدب النسائي يضعنا أمام مفارقة، ففي الوقت الذي يشير المصطلح إلى الاعتراف بحضور المرأة اليوم كذات مشاركة في إنتاج الأدب والثقافة، فإن تعريفه بمصدره، يحدد نوع وحدود هذا الحضور.

عندما نتحدث عن العالم العربي كثيرا ما نصفه بأنه مجتمع لا يزال يعيش في الماضي، مقطوع الصلة بالعصر. وبالرغم من أن هذا التوصيف ليس بعيدا عن الصواب في العديد من النواحي، ومن ضمنها نواح ذات أهمية بالغة، إلا أن هناك مجالا لا يمكن القول بشأنه بأنه لم يشهد أيّ تغيير. و نقصد هنا مجال مشاركة المرأة في الإنتاج الثقافي داخل المجتمع بالقياس إلى ما كان عليه الأمر في الماضي، فإذا ما قارنا الحاضر بالسابق، نجد فرقا واضحا في هذا المجال.

وتبدو الكتابة بمعناها الأدبي، وربما الروائية منها بالأساس، المجال الأبرز لتحول المرأة العربية إلى ناشطة ومنتجة للثقافة ومشاركة للرجل في هذا الحقل الذي ظل، ولقرون، حكرا على الرجل بالدرجة الأولى في الثقافة العربية. وقد عكس هذا التحول بروز مفهوم “الأدب النسائي” أو “الكتابة النسائية”، ذلك أن ظهور هذا المصطلح ليس سوى تعبير عن هذه الظاهرة “الجديدة” المميزة للعصر الحديث المتمثلة في “انبثاق” المرأة كذات فاعلة في مجال الكتابة والثقافة عامة، ودلالة على تغير دورها وموقعها في المجتمع على مختلف الأصعدة في العصر الحديث.

غير أن مفهوم “الأدب النسائي” يضعنا أمام مفارقة لعلها ليست خالية من الدلالة، ففي الوقت الذي يشير المصطلح إلى الاعتراف بحضور المرأة اليوم كذات مشاركة في إنتاج الأدب والثقافة، فإن تعريفه بمصدره، أي بأنثوية منتجيه، يحدد نوع وحدود هذا الحضور كهامش بالقياس إلى المركز الذي هو في غنى عن التعريف، إذ لا وجود لمصطلح “الأدب الذكوري” الذي لا يمكن في الحقيقة دونه أن يكون هناك معنى للمفهوم الأول، فالاختلاف هو ما ينتج المعنى. وهكذا يمكن القول إن مفهوم “الأدب النسائي” ينطوي ضمنيا على فكرة المركز والهامش، بالرغم من أن هيلين سيكسوس هي أول من أطلق مصطلح “الكتابة النسائية” سنوات 1970. ولهذا لا نستغرب أن تكون الكاتبات، مثل السورية غادة السمان والجزائرية أحلام مستغانمي، هن أول من يتحفظ على هذا المصطلح.

ذكورية التاريخ الثقافي العربي

لا نبالغ كثيرا إذا قلنا بأن حضور المرأة في التاريخ الثقافي العربي هو حضور ضعيف، فهذا الأخير هو تاريخ ثقافي ذكوري بالأساس، بالرغم من أنه لا يعدم وجوها نسائية في الشعر بالخصوص، مثل الخنساء ورابعة العدوية في المشرق وولاّدة وليلى الأخيلية في الأندلس، ولكننا لا نجد في المقابل أسماء أنثوية لها على الأقل نفس حضور الرجل تاريخيا في المجالات الثقافية والمعرفية الأخرى، كعلوم الدين والفلسفة وعلم الكلام أو في مجال التاريخ وما إلى ذلك، بالرغم من أن المكتبة العربية لا تزال تفتقر إلى مؤلفات حول إسهام المرأة العربية المسلمة في المجال الثقافي.

والحقيقة، أنه ليس هناك ما يثير الاستغراب في هذه المكانة الثانوية للمرأة في التراث الثقافي العربي بالنظر إلى دونية مكانتها في المجتمع مقارنة بمكانة الرجل واستبعادها من الفضاء العام الخارجي الذي كان يهيمن عليه الرجل. وأيضا بالنظر إلى نموذج المرأة المثالي الذي صاغته الثقافة الذكورية الشرقية عن المرأة، كما يظهر ذلك مثلا في “كتاب النساء” لابن قتيبة حيث نجد “تركيزا واضحا على جسد المرأة في جانبه الشبقي، باعتباره موضع الفتنة والاستيهام، وكأن هذا الملمح هو الأصل في المرأة”، فصورة المرأة المثالية في التراث العربي، كما يؤكد الباحث المغربي مصطفى الغرافي في دراسته المعنونة “المرأة ونظام الثقافة: هيمنة الذكورة”، تختزل في “الجسد الجميل الذي يمنح اللذة ويحقّق الإمتاع، وبالتالي فإن عنوان المرأة وقيمتها المرجعية الأولى تتمثل في الجمال، ولذلك لم يُعتبر العقل، في الثقافة العربية التقليدية، فضيلة نموذجية مطلوبة لدى المرأة، وعليه “استُحسِنت فيها قلة التفكير وغياب العقل، لأن التفكير يجهد النفس ويذهب بنضارة الروح وطراوة الجسد”، كما يضيف مصطفى الغرافي في بحثه، مستندا إلى قول لابن المقفع عن المرأة النموذج. وعلى أيّ حال فإن الثقافة العربية التقليدية لم تعتبر العقل ميزة أو سمة أصيلة في المرأة، إذ “تجعل العقل من نصيب الرجل”، أما المرأة فهي كما أظهرتها بعض المرويات “كائن منقوص العقل والدين”، يغلب عليه الهوى والعاطفة.

لـم يعــد يوجد اليوم في المجتمعات العربية مجال ثقافي، أيّا كان نوعه يخلو من حضور المرأة العربية، مما يعني أن الاعتبارات الأخلاقية التقليدية المرتبطة بالفعل الثقافي لم تعد تمارس سلطتها اليـــــــــــــوم

وفي مثل هذا التصور الذي صاغه خطاب الهيمنة الذكورية، والذي يصوّر الآخر وفق مصالحه ورغباته وسلطته، شأنه في ذلك شأن كل خطاب هيمنة، لا يُستغرب أن تكون مساهمة المرأة محدودة في الحياة الثقافية والفكرية العربية، فالمرأة على أيّ حال، من وجهة نظر هذا الخطاب الذكوري المهيمن، لا تملك لا المؤهلات الطبيعية الكفيلة بالسماح لها بالمساهمة الفعالة في الحياة الثقافية والفكرية، بسبب افتقارها المفترض إلى العقل، ولا السيد، ونقصد به القيم الذكورية المهيمنة، يرغب أصلا في هذه المشاركة، تلك المشاركة التي من شأنها أن تهدد السيادة الذكورية وتقوض نظامها الاجتماعي القائم.

إخـــــــراج صوت المرأة من سجنه

لكن ينبغي التوضيح بأن ظاهرة “الدونية” التاريخية للمرأة على صعيد الإنتاج الثقافي، المعرفي والفكري، نشهدها في كل حضارات العالم ما قبل العصر الحديث، فالأمر لم يبدأ في التغير بأوروبا نفسها إلا مع القرن الثامن عشر. ولا شك أن تعميم مبدأ إجبارية التعليم لكلا الجنسين من الأطفال كان له دور كبير في تغيير الوضع وفي جعل مشاركة المرأة في الإنتاج الثقافي والفكري إحدى السمات البارزة التي تختلف فيها المجتمعات الحديثة عن المجتمعات القديمة.

والتطور الذي عرفته أوروبا على هذا الصعيد قد عرفته أيضا البلدان العربية، ولكن بصورة متأخرة عنها، إذ حدث هذا التحول أساسا في مرحلة ما بعد الاستقلال. ذلك أنه وإلى وقت غير بعيد كان تعليم البنت لا يحظى بترحيب كبير في المجتمعات العربية، فإذا ما حدث وأن سمحت لها العائلة بمزاولة الدراسة، كانت لا تعطى لها فرصة الذهاب إلى مراحل متقدمة في طلب العلم. وهذا التحفظ الذي أعاق تعلم البنت مرتبط بسيطرة القيم التقليدية المتعلقة بمفهوم الشرف في المجتمعات العربية، والذي كان يرى في الفضاء الخارجي، الذي تشكل المدرسة جزءا منه، خطرا أخلاقيا يتهدد المرأة حين تتخطى عتبات البيت. و”لذلك عملت الثقافة الفحولية على تقنين حركتها في الفضاءات المكانية، فالبيت هو مكانها الطبيعي الذي يناسب أنوثتها ويصون عفتها”، كما يقول مصطفى الغرافي.

وقد تحدثت الروائية الجزائرية آسيا جبار في مؤلفها “هذه الأصوات التي تطاردني على هامش كتابتي الفرنكفونية” ( مكتوب باللغة الفرنسية)، عن فعل الكتابة بوصفه إخراجا لصوت المرأة من سجن “التقاليد الشرقية” التي تحتجزه، إذ ترى آسيا جبار بأن هذه التقاليد، ولعهود طويلة قد “منعت الكتابة عن النساء”، ذلك أن “تكتب المرأة يعني أن تعرض نفسها للعيان”، وذلك يعني “أن ترث وظيفة الراقصة، أي وظيفة النساء الطائشات”. وقد وردت أيضا هذه الفكرة “الشرقية” التي تربط بين تعليم البنت والانحلال الخلقي في روايتها “الحب والفنتازيا” التي تختلط فيها السيرة الذاتية بالتاريخ والخيال.

ففي هذه الرواية، يثير ظهور الأب، وهو يشدّ يد ابنته سائرا بها لأول مرة باتجاه المدرسة “الفرنسية”، شعورا يشبه الخيانة لدى الجيران، اعتقادا منهم بأنه ستنجر عن ذلك عواقب وخيمة من الناحية الأخلاقية، ذلك أن “كل عذراء عالمة تعرف الكتابة، سيصل بها الأمر بلا أدنى شك إلى أن تكتب (الرسالة)”، يعني رسالة الحب والغرام التي لن يتمكّن أيّ حارس رقيب منعها من إرسالها إلى الحبيب الموجود خارج البيت. ومن المعلوم أن تلك البنت الصغيرة (آسيا جبار)، وبعدما دخلت المدرسة، قد أصبحت فيما بعد روائية عالمية، والمرأة العربية الوحيدة التي حصلت على عضوية الأكاديمية الفرنسية، في سنة 2005.

بالطبع لم يعد اليوم مشهد أيّ فتاة صغيرة يشد والدها يدها سائرا بها لأول مرة نحو المدرسة يثير لدى الجيران ذلك السخط والاستهجان الذي تحدثت عنه آسيا جبار، إذ يكفي المرء اليوم أن يزور الجامعات العربية حيث يغلب عنصر الإناث بين الطلبة، وأحيانا بشكل لافت للنظر، ليلاحظ ذلك التحول الكبير الذي حدث في رؤية المجتمع لتعليم البنات والذي كان لا بد أن يؤدي في نهاية المطاف إلى إعادة تشكيل دور المرأة في المجتمع ككل، وفتح الفضاء العام الخارجي لها بعدما كان يقتصر في الماضي على فضاء البيت، وإلى بروز المرأة بالطبع في نهاية المطاف كفاعلة في مختلف المجالات، بما في ذلك حقول المعرفة والثقافة، الشيء الذي جعل المرأة الشرقية اليوم مرئية في الفضاء العام أكثر من أيّ مرحلة تاريخية سابقة، ممّا وضع حدّا لصورتها التقليدية بوصفها امرأة الفضاء الداخلي، امرأة مرتبطة بصورة الحريم، كما صورها الخيال الاستشراقي، تلك المرأة التي “تقضي حياتها مستلقية على الأريكة […] مزينة بالذهب والحجارة الكريمة، تدخن وتسند على الوسادة الرخوة ذراعيها اللتين جعلهما الخمول مكتنزتين…”، تلك الصورة التي تتمحور حولها لوحات الفنانين المستشرقين، على غرار “نساء مدينة الجزائر في بيوتهن” (1834)، اللوحة الشهيرة للفنان المستشرق الفرنسي أوجيني دي لاكروا .

تعــــــــرية “الذات”

وهكذا لم يعد يوجد اليوم في المجتمعات العربية مجال ثقافي، أيّا كان نوعه يخلو من حضور المرأة العربية، مما يعني أن الاعتبارات الأخلاقية التقليدية المرتبطة بالفعل الثقافي لم تعد تمارس سلطتها اليوم. وهذا يعني أنه إلى جانب أن المرأة العربية أصبحت حاضرة في الفضاء العام الخارجي، فقد أصبحت، بعدما اكتسبت حق الممارسة الثقافية بشتّى تجلياته، تملك كذلك حق التعبير عن ذاتها وبالتالي عن عواطفها ورغباتها وعالمها الداخلي، وعليه حق التكلم، وحق إسماع صوتها، وحق مخاطبة المجتمع.

ذلك أن فعل الكتابة في بعد من أبعاده الأساسية يتمثل في إتاحة أداء هذه الوظائف التي لم تكن متاحة للمرأة العربية من قبل، على الأقل على النطاق الذي أصبحت تحظى به اليوم. ويذكر الباحث الفرنسي جان ديجو في كتابه (La littérature féminine de langue française au Maghreb)، يعني “الأدب النسائي المكتوب باللغة الفرنسية في البلدان المغاربية”، أن استعمال “الأنا” مع ظهور رواية ذات مصدر نسائي بدا “تعرية غير مقبولة بالنسبة إلى رجال الدين وإلى حرّاس العقيدة” الإسلامية الذين يعتبرون أنه “من الأهمية بمكان ستر ما هو حميمي وما هو عاطفي و ألا يجري الكشف سوى عن الفحولة الذكورية”. وفي نفس السياق يضيف هذا الباحث المختص في الرواية المغاربية المكتوبة باللغة الفرنسية بأنه كانت توجد ممنوعات صارمة عندما يتعلق الأمر بالتعبير والكشف عن “الأنا” النسائي الذي كثيرا ما يُربط بـ”الغواية” مما “يستوجب، في حالة ما إذا تعذر إسكاته، حمله على الأقل على الاحترام الكامل لقواعد اللياقة”. ففي التراث الثقافي العربي، كما يوضح ذلك أيضا مصطفى الغرافي “لا تتكلم المرأة، في أغلب الأحيان، باعتبارها فاعلا لغويا مستقلا، بل ظلّ الرجل هو المتكلم باسمها والمعبّر عن حقيقتها وكينونتها”، فالمرأة “مستعمرة الرجل”، وفق وصف جورج طرابيشي، في “أنثى ضد الأنوثة- دراسة في أدب نوال السعداوي”؛ وهذه الأنثى “لا تأتي إلى اللغة إلا بعد أن يسيطر الرجل على كل الإمكانات اللغوية”.

هذا المنع للمرأة من التعبير عن ذاتها في الحضارة العربية الإسلامية هو ما تقصده آسيا جبار في روايتها “الحب والفنتازيا” حين تكتب “كيف يمكن للمرأة أن تتكلم بصوت عال، […] اللهم إلا في آخر العمر؟ كيف يمكنها أن تستعمل كلمة ‘أنا’ مخترقة الصيغ التمويهية التي تبقي المصير الفردي جزءا من الخضوع الجماعي؟”.

يمكــــــن القول بأن ولوج المرأة العربية اليوم للفضاء الثقافي العام عبر مختلف أبوابه و مجالاته يعني، في إطار التعريف الجديد لها، بأن العقل ليس من نصيب الرجل وحده، بل هو من نصيب المرأة أيضــــــــــــــــا

إذن كان لدخول المرأة العربية عالم الكتابة، لا سيما الروائية منها، أن سمح للمرأة بأن تكتسب حق الكلام كذات فردية تملك رغبات ومشاعر، وبالتالي أن تعرّي وتكشف عن عالمها الداخلي. صحيح أنه لدينا في التراث العربي نموذج شهير لامرأة تمارس سلطة الحكي داخل النص، ونعني به نموذج شهرزاد في “ألف ليلة وليلة”، لكن “ألف ليلة وليلة” ومن خلالها شخصية شهرزاد، هي نتاج خيال ذكوري، وبالتالي فهي في وجه من الوجوه صورة عن مخيال الذكورة حول المرأة، وعليه لا يمكن اعتبار خطاب شهرزاد خطابا نسائيا في الصميم، لأنه من صنع الرجل في نهاية المطاف، والحكاية الإطار في “ألف ليلة وليلة”، كما نعرف، تدين المرأة إذ تنطلق من اكتشاف الملك شهريار خيانة زوجة أخيه وخيانة زوجته هو نفسه، وهذه الصورة ذكورية نمطية عن طبع المرأة، كما نستشف ذلك، مثلا، من قول شارل بلاّ بأن كتاب “أخبار النساء” لابن قيم الجوزية، يشتمل “نوادر وخواطر وحكايات تدل في الغالب على أن الجنس اللطيف […] يسبب الحب والعشق ويأتي باللذة وربما يحدث في قلوب الجنس الخشن أضرارا جسيمة، لأنه مجبول على الكيد والمكر، مطبوع على الخيانة والغدر…”.

هذا إلى جانب أن شهرزاد لا تتكلم في نهاية المطاف إلا تحت سلطة الملك شهريار، وبالتالي فإن حكيها ليس حكي المرأة الحرّة، وإن كان من الصحيح في ذات الوقت بأن هذا الملك كان واقعا تحت تأثير سلطة حكي هذه الأنثى.

ولأن الشعر هو الخطاب الأدبي الوحيد الذي تكلّمت فيه المرأة بنفسها، وساهمت فيه نسبيا، بالنظر إلى هامشية الصوت النسائي الشعري في التراث الثقافي العربي، فإنه لا يمثل اليوم حقيقة مكسبها الثقافي الأبرز، إذا ما قارنّاه بالمجالات الإبداعية الأخرى، كالرواية مثلا، حيث ظهور الإبداع النسائي في هذا المجال لا يمثل استمرارا لخطاب شهرزاد في “ألف ليلة وليلة” وإنما تجاوزا له، ذلك أنه إذا كانت شهرزاد و”ألف ليلة وليلة” نفسها، ليسا غير شكل من أشكال تجلي المخيال الذكوري الشرقي بالمعنى الواسع للكلمة، كما سبق وأن أشرنا، فإن الرواية النسائية، بوصفها شكلا أدبيا سرديا يقوم على الكلمة المكتوبة، تمثل خطابا أدبيا صادرا عن المرأة ذاتها، يعني عن المرأة بوصفها منبعا للإبداع، وذلك في صورة الكاتبة، أو المؤلفة، الحالة الاجتماعية-الثقافية الجديدة التي أصبحت متاحة اليوم للمرأة العربية، وليس فقط مجرد موضوع أدبي كما كانت من قبل في التراث الأدبي العربي، ممّا يعني تحول هذه المرأة على الصعيد الثقافي من مجرد موضوع كتابة ذكورية إلى ذات فاعلة، منتجة لنصوص يتحول فيها الذكر بدوره إلى موضوع لها، كما هو الشأن في العديد من الأعمال الروائية النسائية. وعليه فإن اقتحام المرأة العربية مختلف مجالات الثقافة والإبداع اليوم، وفي مقدمتها الكتابة الروائية يعني ليس فقط استلامها حق الكلام عن نفسها، بل أيضا كسر الاحتكار الذكوري التاريخي العربي لسلطة الخطاب في مختلف تجلياته.

إعــــادة تعريف الهوية النسائيــــــــــــة

كل هذا يعني في نهاية المطاف إعادة تعريف للمرأة العربية ولكينونتها كإنسان، يعني مراجعة للهوية الأنثوية التي كانت من صنع “الآخر” بامتياز، فما المرأة العربية غير إنجاز للرغبة الذكورية ولسلطتها وهيمنتها، فما كانت هذه المرأة، في الغالب الأعم، غير صورة الرغبة الذكورية وموضوعها. وما كانت المرأة ذاتها، وذلك تحت تأثير ما يسميه بيار بروديو (habitus)، أي تحت تأثير التشبع بالقيم الاجتماعية السائدة ذكورية المنشأ، ترى صورتها المثالية والمرغوبة من طرفها إلا في النموذج الذي ابتدعه الذكر، السيّد المهيمن، لا تروم بذلك تحقيق ذاتها إلا على ضوء قيم الذكورة والأبوية. وهكذا كان جمالها رأسمالها الاجتماعي الأول في نظرها، وليس المعرفة أو العقل، يعني ليس الإسهام في الحياة الثقافية أو الفكرية أو غيرهما من الأنشطة الاجتماعية، وإنما تكريس نفسها كموضوع للرغبة الذكورية وكتجسيد لقيمها وتصوراتها، دون أن ننكر بالطبع وجود استثناءات تشذّ عن هذه القاعدة العامة.

إذن يمكن القول بأن ولوج المرأة العربية اليوم للفضاء الثقافي العام عبر مختلف أبوابه و مجالاته يعني، في إطار التعريف الجديد لها، بأن العقل ليس من نصيب الرجل وحده، بل هو من نصيب المرأة أيضا، وعلى هذا الأساس لم تعد المرأة العربية هي فقط ذاك الكائن العاطفي المحض أو يكاد، والخاضع للهوى كما تصوّره النصوص التراثية أو الكثير منها على الأقل، بل هي كائن عاقل أيضا.

وبالتالي لم يعد الجمال رأس مال المرأة الاجتماعي الوحيد، بل صار هذا الأخير يتشكل أيضا من مواهبها العقلية والذهنية. ولم تعد المرأة نتيجة لكل ذلك مجرد موضوع، بل ذات أيضا. ويمكن القول إنّ هذه التطورات التي حدثت نتيجة اكتساب المرأة للكتابة وممارستها على الصعيد الإبداعي الروائي وغيره، قد أدّت في نهاية المطاف إلى تقليص الفروق الاجتماعية بين الذكر والأنثى، أي إلى تشابه أدوارهما الاجتماعية والثقافية، على الأقل بالقياس إلى ما كانت عليه في الماضي.

ذلك أنه بالإضافة إلى اكتساب المرأة العربية صفة إنسانية جوهرية كانت من قبل تنسب إلى الرجل فقط، أو إليه بالأساس، وهي القدرة العقلية، فإن الفضاء الاجتماعي الخارجي لم يعد حكرا على الذكورة، بل صار فضاء مختلطا، مشتركا بين الذكورة والأنوثة، وبالتالي اتسع مجال الفعالية الفضائية الاجتماعية للمرأة الذي كان من قبل مقصورا على فضاء البيت، ليشمل اليوم الاثنين معا، وذلك انعكاسا إلى حدّ كبير لتحوّل دورها في الحياة الاجتماعية من منتجة بيولوجية بالأساس، تتمثل في الإنجاب، إلى منتجة للثقافة ولغيرها من الحاجات الاجتماعية.

هذا إلى جانب امّحاء الحدود الثقافية بين الذكورة والأنوثة بعدما أصبحت الكتابة والمعرفة والإبداع والفكر حيّزا مشتركا بين الجنسين، على خلاف ما كان عليه الأمر في الثقافة العربية المرتبطة بالتراث.

مملكتنا.م.ش.س/عرب

اقرأ أيضا
  • جلالة الملك يقبل طلب إعفاء الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل ماديحة خيير

    مملكتنا/
    أكتوبر 18, 2026
  • من يحمي الشغالة والاستثمار الصغير بالشلالات ؟ .. قصة مواطن يُبتز ويهدد بالقتل ومحله التجاري يواجه الإغلاق !

    مملكتنا/
    أكتوبر 18, 2026
  • معرض الفرس بالجديدة .. تتويج سربة المقدم شرف البحراوي بالجائزة الكبرى لصاحب الجلالة الملك محمد السادس للتبوريدة 

    مملكتنا/
    أكتوبر 18, 2026
أخبار آخر الساعة
  • جلالة الملك يقبل طلب إعفاء الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل ماديحة خيير

  • من يحمي الشغالة والاستثمار الصغير بالشلالات ؟ .. قصة مواطن يُبتز ويهدد بالقتل ومحله التجاري يواجه الإغلاق !

  • معرض الفرس بالجديدة .. تتويج سربة المقدم شرف البحراوي بالجائزة الكبرى لصاحب الجلالة الملك محمد السادس للتبوريدة 

  • توقعات طقس اليوم الأحد بالمغرب

المـرأة العربيــة والإبـــداع … هل كتابة الأنثى هامش نســــوي