تاريخ الدولة المغربيّة لا يجب أن يتوقّف عند حدود الأدارسة
دعَا أحمد الخاطب، أستاذ مادّة التاريخ بدار الحديث الحسنية بالرباط، إلى إعادة قراءة تاريخ المغرب وعدمِ حصْره عند حدود نشأة دولة الأدارسة. وقد جاء ذلك في محاضرة ألقاها بمقر المؤسسة سالفة الذكر بعنوان “الدولة والدين ومسارُ تشكُّل الهوية المغربية”، وحاوَل خلالها الإجابة عن سؤاليْن إشكاليّيْن يتمحوران حولَ العلاقة بين الدولة والدين في تاريخ المغرب، من جهة، وأثرها على العلاقة على الهوية المغربيّة ماضيا وحاضرا ومستقبلا من جهة ثانية.
وفي هذا السياق، قالَ الخاطب إنّ الدولة المغربيّة ككيان مستمر عبر التاريخ يشكو من ضُعفٍ في الدراسة؛ فبالرغم من وجود دراسات تتناول تاريخ الدولة المغربية القديم، فإنها، يقول المتحدث، متّسمة بغَلبة المقاربة الإخبارية عليها، إذ إنها ركّزتْ على السُّلالات والأسَر الحاكمة، وهيْمنةِ البُعْد الإيديولوجي عليها، حيث تمّ ربْط تأسيس الدولة المغربية بمرحلة نشوء الدولة الإدريسية.
وأردفَ المحاضر: “هناك مشكل في الكتابة التاريخية، لأنَّ البحث في نشأة الدولة المغربية لا يمكنه أن يُبنى على سياسة البَتْر لمرحلة طويلة من تاريخ المغرب، وهو التاريخ القديم، أيْ ما قبْل الإسلام، حيثُ تشكّلت الممالك الأمازيغية بشمال إفريقيا؛ منها مملكة موريتانيا، ومملكة نوميديا بالمغرب الأوسط، واللتان تطوّرتا حسب الظروف التاريخية وقتذاك”.
وعادَ الباحث في التاريخ إلى سبْر أغوار تلك الحقبة التاريخية من تاريخ الدولة المغربية، قائلا إنَّ الممالك التي أسسها الأمازيغ تتوفر فيها العناصر الممكّنة من تعريف الدولة؛ ذلك أنّه كانت لها سلطة وسيادة وشعبٌ ممثل في مجموعة من القبائل تخضع لسلطتها، إضافة إلى صراعها مع الآخر (القوى الاستعمارية)، من أجل حماية حدودها.
وفي هذا الإطار، أوضحَ أستاذ مادّة التاريخ بدار الحديث الحسنية أنَّ المؤسسة الملكية في تلك الحقبة من تاريخ المغرب كانتْ وسيلة لتوحيد الجهود لمعارضة الأجنبي، المتمثل في الوجود الروماني، وغيره… لافتا إلى أنَّ الأمازيغ رفضوا فكرة “الدولة الكونيّة” لارتباطها عندهم بالعبودية التي كانتْ تفرضها الدولة الرومانية على ساكنة مستعمراتها.
وثمّة أسبابٌ آخر لتشبّث الأمازيغ بدولتهم المستقلّة، حسب الخاطب، وتتعلّق، أساسا، بحرصهم على التمسّك بهويتهم؛ ذلك أنَّ الدولة الرومانية كانتْ تسعى إلى فرْض ما سمّاه بـ”سياسة الرَّوْمنة”، أي فرض الهوية الرومانية على ساكنة المستعمرات الخاضعة لسيطرتها، أو المناطق التي تحتلّها، “وهذا يتطلّب تخلّص الأمازيغ من هويتهم واعتناق الهوية الرومانية”، يشرح المتحدث.
وسمّى المحاضر الرفض الذي أبداهُ الأمازيغُ إزاءَ مخططات القوى الاستعمارية بـ”الرفض المُزدوج”، أيْ رفضُ سياسات السلطات الاستعمارية، المتعلقة بما هو عسكري واقتصادي واجتماعي، من جهة، ورفْض سياساتها الهوياتية، مُشيرا إلى أنَّ كلمة “الأمازيغ”، ومعناها بالعربية “الأحرار”، نابعة منْ كونهم أحرارا لا يقبلون الخضوع والخنوع، وأضاف: “هذا تجسيد لتشبّث المغاربة بهويتهم ودفاعهم عن دولتهم المستقلّة”.
الصدُّ الذي وُوجهت به القوى الاستعمارية من لدن الأمازيغ، في التاريخ القديم للمغرب، لا يعني أنهم كانوا منغلقين على ذواتهم، حسب الخاطب، فبعْد تحوّل الدولة الرومانية إلى دولة دينية وتبنّيها للمذهب الكاثوليكي، لم يعبّر المغاربة الأمازيغ، من خلال مقاومتهم للدولة الرومانية، عن رفضهم للمسيحية كدِينٍ يكرّس مبادئ الحرية والعدل والتسامح؛ بل عبروا عن رفضهم لها بعدما تبيّن لهم وجود تواطؤ وتحالف إستراتيجي بين السلطة الرومانية الاستعمارية وبين رجالات الكنيسة لاستغلال الأهالي.
ولمواجهة هذا التحالف بين رجالات الكنيسة وبين السلطات الرومانية الاستعمارية، بلْور الأمازيغ ما سمّاه الخاطب “مقاومة هوياتية جديدة”، تمثلت في اتباع “مذهب الدوناتية”؛ وهو مذهب مسيحي رافض للكاثوليكية، ولاستغلال الرومان للأهالي، معتبرا أنَّ هذه المرحلة عرفت انفتاحا للمغاربة على العالم المتوسطي، من خلال الحضارات الوافدة وتفاعلهم معها، سواء إيجابا أو سَلبا.
واستطردَ الباحث المتخصص في التاريخ، وهو يسْبر أغوارَ التاريخ المغربي القديم، أنَّ في هذه المرحلة التاريخية تشكّلت البنية التحتية للدولة المغربية، وكذلك الهوية المغربية، من خلال تشبّث المغاربة الأمازيغ باستقلاليتهم ودولتهم وثقافتهم، وابتداعهم لمذهب جديد يعبّر عن طموحاتهم، ولم يقبلوا بالأمر الواقع المفروض عليهم من الدولة الرومانية.
وانتقلَ المتحدّث ذاته إلى مرحلة العصر الوسيط، الذي شهدَ حركة الفتوحات الإسلامية إلى شمال إفريقيا، قائلا إنَّ هذه الحركة كانتْ حدثا غير مشابه لباقي الأحداث التي عرفتْها المنطقة، لارتباطه بظهور الدّين الإسلامي، حيث أثّرتْ هذه الحركة جوهريا في كلّ البلاد التي حلّتْ فيها، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي أو الديني.
وأثار الخاطب هنا سؤالا جوهريا: “لماذا فشل الرومان في تحقيق ما نجح الإسلام في تحقيقه في بلاد المغرب؟”، وعلى الرغم من أنّه اعتبرَ هذا السؤال “صعبا ومُعقّدا”، فإنّه قدّم بعض عناصر الإجابة، معتبرا أنَّ الفتحَ الإسلامي “جاءَ مناسبا لتطلعات وطموحات المغاربة على مستوى الاستقلال، بعدما قاوموا السلطات الرومانية ورفضوا الخضوع لها.
وفي هذا الإطار، أوضح أستاذ مادّة التاريخ أنَّ الفتح الإسلامي، وبالرغم من صعوبات “الصدمة الأولى” التي خلّفها لدى المغاربة الأمازيغ، فإنّ ما ترتّب عنه من آثار تاريخية، سواء على مستوى الدين أو المجتمع أو الهوية، “تؤكّد النجاح الحقيقي لهذا الفتح”، يقول المتحدث، مضيفا: “هذا الحدث التاريخي لم يكن غزوا عسكريا، بل كان حدثا حضاريا بالمعنى العميق للحضارة؛ لأنه مكّن المغاربة من هوية جديدة، قوامُها الدين الجديد، الذي هو الإسلام”.
مملكتنا.م.ش.س/هسبريس








