مقال رأي للدكتور امحمد أقبلي – أستاذ باحث في العلوم القانونية والسياسية ورئيس جماعة أجلموس، إقليم خنيفرة
يُنظر إلى الاحتجاج في الدولة الدستورية الحديثة باعتباره حقًا أصيلًا يدخل ضمن منظومة الحريات الأساسية، ويشكّل إحدى الآليات الديمقراطية للتعبير عن الإرادة العامة. فالاحتجاج ليس خروجًا عن القانون، بل هو تجلٍّ من تجليات Rule of Law التي تحرّض المؤسسات على الإصغاء لنبض المجتمع. كما أن مشاركته في تصحيح الاختلالات تجعل منه مساهمًا فاعلاً في تحصين الاستقرار.
ويقول الفيلسوف جون ستيوارت ميل:
«حين تُخنق حرية التعبير، تتحول السياسة إلى صمت مكلف.»
من الحق إلى الثقافة: حين يصبح الاحتجاج نمطاً للتعبير السياسي
برز ما يُعرف اليوم بـ ثقافة الاحتجاج – Culture de la contestation كتعبير عن تطلعات مواطن يبحث عن الاعتراف به داخل المجال العمومي. هنا لا يصبح الخروج إلى الشارع فعلاً ظرفيًا، بل طريقة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، بعد أن تراجعت الثقة في قنوات الوساطة التقليدية.
إن الاحتجاج بهذا المعنى ليس مجرد مطالبة بحلّ مشكلة، بل مقاومة صامتة ضد التهميش واللامساواة. وكما يقول إدغار موران:
«حين لا يُسمَع الهامش في المؤسسات، يرفع صوته في الشارع.»
التحريض على الاحتجاج: منزلقات الخطاب وتوظيف الغضب
يختلف التحريض – Incitement جوهريًا عن الاحتجاج. فالتحريض لا يسعى لتحقيق مطالب مشروعة بقدر ما يستثمر هشاشة المجتمع لتحقيق مآرب سياسية ضيقة أو بواعث أيديولوجية انفعالية. هنا تتحول المعاناة إلى رأسمال تعبوي يُستغل ضد الدولة، في حين يظل المستهدف الحقيقي هو ثقة المواطن لا القرار العمومي.
وقد عبّر المفكر بيار روزانفالون عن هذه الظاهرة بقوله:
«الشعبوية لا تبني الثقة، بل تعيش من هشاشتها.»
الفضاء الرقمي: احتجاج بلا وسطاء ولا زعامات
إن منصات التواصل الاجتماعي صنعت نموذجًا رقميًا للاحتجاج – Digital Activism يقوم على التعبئة السريعة وإعادة تشكيل الرأي العام خارج الحدود التقليدية. لكنها في المقابل أسهمت في تفتيت القيادة والتنظيم، مما يجعل الاحتجاج قوياً في الانطلاق وضعيفاً في التفاوض، متدفقاً في التعبير وضعيفاً في الإنجاز.
هنا يظهر التوتر بين سرعة الغضب وبطء الإصلاح.
التوتر بين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية
لم يعد الاحتجاج مجرد رد فعل على القرارات، بل مراقبة شعبية مستمرة للسياسات العامة. وهذه التحولات تكشف أن الديمقراطية التمثيلية، رغم أهميتها، لم تعد تكفي لوحدها لاحتواء دينامية مجتمعية أكثر تطلباً. لذا جاء دستور 2011 بإدراج آليات Participatory Democracy، لكن التفعيل لم يرتق بعد لما ينتظره المواطن.
هكذا يتولد السؤال المركزي:
«هل يزداد الاحتجاج حين تتوسع الحقوق أم حين تتعثر ممارستها؟»
نحو معادلة جديدة للثقة: حماية الحق ومحاربة التحريض
التحدي الأكبر اليوم هو التمييز بين احتجاج يبني الوطن وتحريض يهدم الثقة. فالأول يطالب بالحقوق داخل الشرعية، والثاني يوظّف الشرعية لضرب الاستقرار. المطلوب إذن سياسة عمومية تضع Trust Building في صلب الإصلاح، حيث لا قيمة لقانون بلا مواطن يؤمن به.
يقول أمين معلوف:
«مجتمع بلا ثقة… سفينة تبحر دون بوصلة.»
إن مستقبل المغرب لن يُصنع في صمت، ولا في فوضى.
بل في تفاعل مسؤول بين الدولة والمجتمع،
حيث يصبح الاحتجاج صوتًا لإصلاح السياسات،
وتغدو ثقافة الاحتجاج مدرسة للمواطنة،
ويُحاصر التحريض بتوسيع الفعل التنموي والعدالة المجالية.
فالديمقراطية التي تستوعب المطالب لا تخشى الاحتجاج،
بل تعتبره ضمانةً لقوتها واستمراريتها.
مملكتنا.م.ش.س
![]()







