بقلم الدكتور امحمد اقبلي – رئيس جماعة أجلموس
أوجار شخص عزيز عليّ، وأعرف فيه السياسي المثقف، العقلاني، والهادئ، الذي يختار مفرداته بميزان دقيق. ولذلك فإن ما جاء في مداخلته الأخيرة بكلية الحقوق بالرباط لا يمكن اعتباره مجرد انفعال أو رأي عابر؛ بل هو رسالة سياسية و لحظة اعتراف نادرة في المشهد الحزبي المغربي، تستحق أن تُقرأ بعمق، وأن تُناقَش بعيداً عن المزايدات.
لقد قال محمد أوجار ما يعرفه الجميع ويتجنب الكثيرون النطق به:
الدولة تحكم… والمنتخبون يوقّعون فقط.
هذا جوهر خطابه، وهو كلام يصدم بقدْر ما يحرّر، لأنه يفتح الباب أمام إعادة التفكير في علاقة السلطة بالمنتخب، وفي حدود الديموقراطية التمثيلية كما تُمارس اليوم.
بين جرأة الخطاب وحدود النسق
اعترف أوجار بأن أحزابنا، رغم مشاركتها في الحكومة وتدبير الجماعات، لا تملك السيطرة إلا على أقل من 10% من الميزانيات، وأن القرار الحقيقي يوجد في يد ممثلي الإدارة الترابية. وأضاف بأن الرئيس “لا يرفع القلم إلا بإذن”، وبأن البيروقراطية الثقيلة الموروثة عن عهد إدريس البصري ما تزال تتحكم في مفاصل الدولة.
هذا التشخيص دقيق في كثير من جوانبه، لكنه جزئي في مقاصده.
فأوجار، القادم من حزب يقود الحكومة، يقدم السياسي على أنه ضحية لبنية إدارية صلبة، دون أن يذكّر بأن كثيراً من الأحزاب شاركت في تكريس هذه البنية، أو على الأقل صمتت طويلاً أمام استمرارها.
إنها جرأة، نعم، لكنها جرأة محسوبة تتجنب السؤال الجوهري:
هل الخلل في الإدارة أم في قواعد اللعبة السياسية نفسها؟
أزمة التمثيلية .. و“الديمقراطية بسرعتين”
أخطر ما ورد في المداخلة هو حديثه عن الديمقراطية بسرعتين:
– في الجنوب نموذج متقدم للحكم الذاتي، ببرلمان جهوي وحكومة فعلية.
– وفي باقي الجهات، منتخبون مقيّدون بوصاية إدارية تجعل القرار المحلي محدوداً ومشروطاً.
هذا الاعتراف يُسقط الوهم الذي تعيشه كثير من المؤسسات:
لا يمكن بناء مشروع جهوي قوي في ظل مركزية مفرطة، ولا يمكن مطالبة المنتخب بالمساءلة وهو مجرد منفّذ.
كما أن تشخيص أوجار لأزمة البرلمان – حيث يهيمن رجال الأعمال ويغيب الشباب والنساء – يضع إصبعاً على جرحٍ عميق:
المؤسسة التمثيلية فقدت ذاتها حين فقدت استقلاليتها.
ما وراء الكلام .. إعادة ترتيب مواقع أم دعوة إلى إصلاح حقيقي؟
يمكن قراءة خطاب أوجار بطريقتين:
- إصلاحية:
يريد الرجل أن يفتح نقاشاً حقيقياً حول توزيع السلطة، وصلاحيات المنتخب، وحدود نفوذ الإدارة. - وظيفية:
يسعى الخطاب إلى إعادة تموقع داخل النسق، عبر نقد محسوب لا يمسّ جوهر السلطة، ولا يحمّل الأحزاب مسؤولية تاريخية عن الوضع.
والأرجح، بالنظر إلى طبيعة النسق السياسي المغربي، أن الخطاب بين الأمرين:
جرأة تكشف جزءاً من الحقيقة، وتتجنب الجزء الذي يلامس البنية العميقة للسلطة.
أسئلة كبرى تجنّب أوجار طرحها
ورغم أهمية مداخلته، بقي أوجار عند حدود التشخيص دون الغوص في الأسئلة الحاسمة:
هل يمكن الحديث عن ديمقراطية بوجود وصاية إدارية واسعة؟
هل نحتاج تعديلاً دستورياً، أم نحتاج عقداً سياسياً جديداً يوازن بين سلطة الدولة وسلطة المنتخب؟
هل يمكن للمجالس المنتخبة أن تمارس صلاحيات فعلية دون استقلال مالي وتدبيري؟
وهل يمكن لبرلمان يُنتج عبر المال الانتخابي أن يمارس رقابة حقيقية على السلطة التنفيذية؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد مستقبل السياسة في المغرب، وهي التي تجنّب الخطاب الاقتراب منها.
نحو نقاش عمومي جديد… يتجاوز الاعترافات إلى الإصلاح
إن ما قاله أوجار مهم، بل ومفصلي، لأنه جاء من داخل أسوار السلطة لا من خارجها. لكنه سيظل ناقصاً إذا لم يتم تحويله إلى فرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والفاعل السياسي.
إن المغرب اليوم يحتاج أكثر من مجرد توصيف للأزمة؛ يحتاج:
توزيعاً دقيقاً وواضحاً للصلاحيات بين المركز والجهات.
تأهيلاً حقيقياً للمنتخبين ومنحهم سلطة الفعل لا سلطة التوقيع.
تحرير القرار المحلي من الوصاية المفرطة.
قواعد انتخابية تضمن تمثيلية صادقة لا تمثيلية ممولة.
محاسبة متوازنة: حيثما وُجدت الصلاحية وُجدت المسؤولية.
إن خطاب أوجار، رغم حدّته الظاهرية، ليس النهاية بل البداية؛ بداية وعيٍ جديد بأن الديمقراطية التمثيلية لا يمكن أن تستمر بالشكل الحالي، وأن المغاربة يستحقون مؤسسات تمثيلية قوية، منتخبة وقادرة على اتخاذ القرار.
والسؤال الآن:
هل سنكتفي بالاعتراف .. أم سنذهب إلى التغيير؟
![]()







