محمود هرواك
في البدء، كانت البيوتُ “حُرُمات”، وكانت الأبوابُ تغلقُ لتصون الحبَّ من عينِ الحسدِ وفضولِ العابرين.. كان للسرِّ هيبتُه، وللهمسِ وقارُه، وللخلوةِ جلالٌ لا يجرؤ الغريبُ على انتهاكه. لكننا اليوم، استيقظنا على زمنٍ سقطت فيه “قدسية العتبة”، واستُبدلت ستائرُ الحياء بشاشاتِ التباهي. لم نعد نعيش لنشعر، بل نعيش لنُصوّر. تسللت “عينُ الكاميرا” الباردة لتجلس ثالثةً بين العاشقين، تسرقُ عفوية اللحظة لتطرحها في مزادِ “الإعجابات” الرخيص.. لقد أصبحنا سماسرةً لأرواحنا، نعرضُ تفاصيل أيامنا، وقهوة صباحنا، وحتى مشاجراتنا، في سوقٍ لا يرحم، يصفق فيه الجمهور للزيف، ويدوس بأقدامه على الحقيقة. نحن أمام مرحلة إنسانية، حوّلت الزواج من “ميثاق غليظ” إلى “محتوى رقيق” هش، يذروه رياح “التريند” في أول عاصفة!
سريرٌ من زجاج.. ومقصلةٌ في “الستوري”
لم تعد البيوت قلاعاً يُسدَلُ ستارهُا على “حرمة” الساكنين، ولا عادت الجدران تسترُ “عورة” العواطف. لقد سقطت ورقة التوت الرقمية، وتحوّل الزواج في زمن “التريند” إلى سينما عبثية، يُكتب نصّها بالرياء، ويُخرجها هوس الشهرة، ويموّلها جمهورٌ نهمٌ يتلصص من ثقوب الهواتف الذكية.
في البدء، كانت “الخلوة” مقدسة، وكان الحب همساً لا يسمعه إلا وسادته. أما اليوم، فقد أصبح الارتباط كما الزواج “محتوى”، والحميمية كما الارتباط “بضاعة” تُعرض في فاترينات التطبيقات. لقد أدخلوا الغرباء إلى غرف النوم، لا بل فرشو لهم مكاناً بين الصديق وخليلته والزوج وزوجه. باتت الكاميرا هي “الضلع الثالث” في العلاقة، والشريك الصامت الذي لا ينام، يوثق القبلة قبل أن تبرد، والدمعة قبل أن تجف، والهدية قبل أن تُفتح. صار “روتينهم اليومي” وجبة دسمة تُرمى لقطيع من المتابعين الجياع، ينهشون تفاصيل المطبخ، ولون الأثاث، وحتى أنفاس الصباح الأولى.
إنها “دعارة المشاعر” المقنّعة، حيث يبيع الرجل غيرة رجولته مقابل “الإعلانات”، وتبيع المرأة خِدْر أنوثتها مقابل “المشاهدات”. يرقصون على حبال الوهم، مبتسمين لعدسة باردة، بينما قلوبهم قد تكون أشد برودة من تلك العدسة. لقد حولوا حياتهم إلى “سينما” رديئة الإخراج، حيث السعادة ليست شعوراً يُعاش، بل مشهداً يُصور.
ولأن ما بُني على “باطل المشاهدات” فهو باطل، تأتي الكارثة حين تنطفئ الأضواء ويسقط القناع. هنا، لا ينتهي الحب بصمت النبلاء، ولا بوداع الفرسان. بل يبدأ “نشر الغسيل” القذر، ليس على أسطح المنازل، بل على “حائط” العالم الأزرق.
عند الطلاق، يتحول الزوجان من “أبطال قصة حب” إلى “وحوش في حلبة مصارعة”. يصبح السرير الذي جمعهم يوماً ساحة حرب، والأسرار التي تبادلوها همساً خناجرَ تُغرَسُ علناً في الخاصرة.
يخرج كل طرفٍ شاهراً سيف “الفضيحة”، يستجدي عطف “القبيلة الرقمية”، يسرد تفاصيل ما حدث خلف الأبواب المغلقة، وكأن الانتقام لا يشفى إلا إذا كان “مباشراً” (Live). يبيعون كرامة العشرة بفتات التعاطف الإلكتروني، وينسى كلاهما أن الجمهور الذي يصفق اليوم للفضائح، هو نفسه الذي كان يصفق أمس للرومانسية الكاذبة، وهو نفسه الذي سيبحث غداً عن ضحية جديدة.
في هذا الزمن، ماتت الخصوصية منتحرةً على أعتاب “الويفي”. ولم يعد الزواج رباطاً غليظاً، بل صار “عقداً رقمياً” قابلاً للفسخ والمتاجرة.. إننا نعيش في بيوت من زجاج، ننام فيها عراةً أمام أعين الغرباء، وحين يرمينا الناس بالحجارة، نبكي… وننسى أننا نحن من أعطاهم الحجارة، ونحن من هدمنا الجدران بأيدينا.
إنه زمنُ الحب الذي لا “سِتر” له.. وزمن الفراق الذي لا “نُبل” فيه.
وفي النهاية، حين تنفضُّ حفلةُ الوهم، وتنطفئ أضواءُ الفلاشات، لا يبقى في اليد سوى رماد علاقةٍ احترقت بنيرانِ العلنية. سيكتشفُ هؤلاء، ولكن بعد فوات الأوان، أن “اللايكات” لا تدفئ فراشاً بارداً، وأن تعليقات الغرباء لا تُرمم قلباً مكسوراً، وأن الشهرة التي بنيت على أنقاض الخصوصية هي مجدٌ زائفٌ يتبخرُ عند أول دمعةِ ندمٍ حقيقية. سنبقى نتساءل بحسرة: ماذا كسبنا حين خسرنا “الستر”؟ وماذا بقي لنا من الحب حين جردناه من ثوبِ غموضه الجميل؟ إنها مأساةُ جيلٍ أراد أن يملك العالم، فانتهى به الأمر مملوكاً لشاشة، ينامُ وحيداً، ويستيقظُ وحيداً، رغم ملايين المتابعين الذين لا يعرفون عنه سوى قناعِه الملون. فيا ليتهم يعلمون.. أن أجمل الحب، ما كان سراً بين اثنين، وثالثهما الصمت، لا “الألياف البصرية”.
مملكتنا.م.ش.س/و.م.ع
![]()







