محمود هرواك
ليست آسفي صفحة طقس عابرة في نشرة الأخبار، ولا صورة جوية لمدينة غارقة تُستهلك ثم تُنسى. إنها سؤال قديم عاد في صيغة الماء، واحتجاج صامت خرج من جوف الأرض قبل أن ينزل من السماء. حين تفيض المدن، لا يكون الخلل في الغيم وحده، بل في الذاكرة التي نسيت، وفي التخطيط الذي نام، وفي الضمير الذي اعتاد التأجيل.. ذلك أن الفيضان ليس حادثًا طبيعيًا فحسب، بل مجازا فاضحا كشف ما كان مخفيًا تحت الإسفلت وعرى عما راكمته السنوات من تهميش مُقنّع وخطاب مُخدِّر!
من آسفي يبدأ الكلام، لكنه لا ينتهي عندها.
آسفي لم تُغرقها السماء وحدها؛ ما فاض فيها أولا كان صمتًا قديمًا، وإهمالًا متراكمًا، وطمأنينة كاذبة إلى أن الطبيعة (وهي أصدق ناقد) قررت أن تكتب مقالها بالماء والطين.
الفيضان، أعزائي القراء في جوهره، ليس بيان إدانة ضد وطن، ولا شهادة سوء في حق دولة. الكوارث الطبيعية لا تحمل جواز سفر، ولا تصطف في معسكرات سياسية. باريس غَرِقت، ونيويورك اختنقت، والصين تشربت الماء والبندقية شاخت فيه، ولم يجلد أحد أوطانه بالسياط. لذلك فإن جلد الذات على الطريقة الموسمية، ورفع راية الشماتة في جسد المغرب، ليس نقدًا، بل تشفٍّ مقنّع، واستثمار رخيص في لحظة ألم. الوطن لا يُنتقد من باب الكراهية، بل من باب الحرص؛ ومن يخلط بين الأمرين إما جاهل أو متواطئ.
لكن وهنا بيت القصيد لا يجوز أيضًا أن نختبئ خلف شماعة “القضاء والقدر” كلما انكشفت العيوب.. فالماء حين اجتاح آسفي لم يسأل عن النوايا، بل عن البنية؛ لم يحاكم الخطاب، بل اختبر القنوات، المجاري، التخطيط، والاستعداد. وهنا سقط القناع، لا عن الدولة ككيان، بل عن مدينة تُركت طويلاً في الهامش، تُستَحضَر في الخرائط وتُنسى في السياسات.
آسفي مدينة لها تاريخ، لكن تاريخها أُسيء استعماله: يُذكر كزينة، لا كمسؤولية. عانت من فساد محليٍّ بوجه مبتسم، ومن تدبير انتخابيٍّ قصير النفس، ومن سلطات اعتادت “تدبير الممكن” بدل صناعة الضروري. لم تُواكب الورش المدني الذي غيّر ملامح مدن أخرى، فبقيت طرقها كشيخوخةٍ مبكرة، وبنيتها كجسدٍ بلا مناعة. وحين جاء الامتحان، كانت النتيجة متوقعة، وإن صادمة.
الفيضان لم يأتِ في فراغ زمني. سبقه انهيار عمارتين في فاس، وكأن القدر أو العقل الجمعي الغاضب يدق ناقوس الخطر مرتين: مرة بالحجر، ومرة بالماء. الرسالة واحدة: هناك خللٌ بنيوي، لا حادث عرضي. خلل في المراقبة، في الحكامة، في ترتيب الأولويات، وفي شجاعة الاعتراف. من يُسقط عمارة لا يُفاجأ بفيضان، ومن يترك مدينة دون استثمار حقيقي لا يحق له أن يتباكى على الخراب.
المسؤولية لا تقبل التجزئة ولا لعبة تبادل التهم. المنتخب المحلي مسؤول لأنه وعد أكثر مما أنجز، والحكومة مسؤولة لأنها رأت ولم تُسرّع، والسلطات المحلية مسؤولة لأنها راقبت ولم تتدخل في الوقت المناسب. حتى المجتمع، والإعلام بصمته المزمن، شريكان في هذا المشهد الرمادي. الجميع مدعوٌّ إلى محاكمة الذات، لا إلى جلدها، وإلى الإصلاح لا إلى العويل.
أما أولئك الذين وجدوا في مياه آسفي فرصة للطعن في المغرب، فهؤلاء لا يهمهم فيضان ولا مدينة. يهمهم أن يبقى الجرح مفتوحًا ليستثمروا فيه. الفرق بين النقد والتخريب كالفرق بين الطبيب والذباب: الأول يقترب ليُعالج، والثاني ليُلوِّث.
آسفي اليوم ليست قصة في نشرة أخبار، بل مرآة. إما أن ننظر فيها بشجاعة ونُصلح ما انكسر، أو نكسر المرآة ونلعن الانعكاس. والكوارث، كما علّمنا التاريخ، لا تُقاس بكمية الخسارة وفداحتها بل بكمية الوعي التي تليها.
آسفي اليوم لا تطلب شفقة، ولا تنتظر خطبًا موسمية تُلقى على أنقاضها ثم تُطوى. ما تريده أبسط وأصعب: عدالة في التخطيط، وصدق في المسؤولية، وشجاعة في الاعتراف بأن الخلل ليس لعنة سماوية بل صناعة بشرية قابلة للإصلاح.. الكوارث لا تُهزم بالمسكنات ولا بالشعارات، بل بقطيعة حقيقية مع الرداءة السياسية، وببناء دولة التفاصيل لا دولة البلاغات! وإذا كان الماء قد انسحب من شوارع آسفي، فإن السؤال باقٍ: هل نترك الوعي ينسحب معه، أم نحوله إلى سدٍّ يمنع تكرار الغرق؟ هنا فقط يبدأ الإنقاذ الحقيقي.
مملكتنا.م.ش.س
![]()






