محمود هرواك
في الثالث من يناير، لم تشرق الشمس على طهران بضوئها المعهود، بل انبلج فجرها عن صاعقة استراتيجية زلزلت أركان “المعبد الجيوسياسي” الذي شيدته إيران عبر عقود. لقد هوت القلعة البعيدة، وسقط “نيكولاس مادورو” في قبضة “العزم المطلق” الأمريكية، لتبدأ فصول ملحمة تراجيدية، بطلها حليفٌ منكسر، وضحيتها نفوذٌ كان يظن أنه عصيٌ على الانكسار.
لم يكن سقوط “مادورو” مجرد تبدل في الوجوه السياسية، بل كان “بترا جراحيا” لأذرع إيران في القارة اللاتينية. فالمصانع التي كانت تضج بهدير المسيرات “الإيرانية-الفنزويلية” المشتركة، استحالت أثرا بعد عين؛ مجمعات “فيورتي تيونا” العسكرية ومصانع “ايانسا” سُويت بالتراب، وكأنها قصور رملية جرفها مدٌ أمريكي عاتٍ. لقد تحولت “الجبهة الخلفية” التي راهنت عليها طهران لتهديد “الخاصرة الأمريكية” إلى فخٍ محكم، وأُحرقت أوراق القوة التي كانت تلوح بها في عقر دار خصمها
بين طهران وكراكاس، كانت هناك “علاقة تكافلية” نسجتها خيوط المصالح المظلمة؛ نفطٌ ثقيل يحتاج لمكثفات إيرانية ليدب في عروق الأنابيب، وذهبٌ فنزويلي يطير سراً ليغذي خزائن طهران بعيداً عن أعين “سويفت” والرقابة الدولية.. هذا “الجسر الجوي” الذي أُطلق عليه “إرهاب الجو” (Aero-Terror)، تهاوى كجناح فراشة في عاصفة، وانقطعت شرايين “اقتصاد المقاومة”، لتجد طهران نفسها أمام “نزيف مالي” لا يُرد، وديونٍ بمليارات الدولارات تبخرت في هواء كراكاس البارد.
إن ما حدث في فنزويلا لم يكن مجرد خسارة جغرافية، بل هو “زلزال نفسي” ضرب النخبة الإيرانية في مقتل. فصورة “مادورو” وهو يُساق أسيراً بعثت برسالة رعب مفادها أن “المظلات الذهبية” قد احترقت، وأن الملاذ الأخير قد أُغلق بوجه العواصف القادمة.. هذا ومع وضع واشنطن يدها على صنبور النفط الفنزويلي، احترق “كارت الابتزاز” الأخير في مضيق هرمز، وباتت إيران تواجه قدرها “وحيدة محاصرة”، تتلفت يمنة ويسرة فلا تجد إلا بيانات تنديد خجولة من حلفاء لم يجرؤوا على تحريك ساكن..
لقد كانت فنزويلا “المرساة الغربية” لمحور المقاومة، وبسقوطها، انفرط عقد التحالفات العابرة للقارات. إننا اليوم لا نقرأ مجرد خبر سياسي، بل نؤرخ ل “بداية العد التنازلي” لمواجهة كبرى قد تفتح “أبواب الجحيم” في الشرق الأوسط. فمن لم يعد لديه ما يخسره، قد يقدم على إحراق كل شيء.. لقد تغير وجه العالم في تلك الليلة، وما زال الصدى يتردد في أزقة طهران: هل كانت كراكاس هي البداية.. أم أنها كانت النهاية؟
مملكتنـــــــا.م.ش.س
![]()







