محمود هرواك
في كتابها الشهير “أن تقرأ لوليتا في طهران”، لا تتحدث آذر نفيسي عن الأدب كترف، بل كفعل مقاومة. تصف كيف تحولت الروايات الكلاسيكية إلى مساحة وحيدة للحرية لسبع فتيات يجتمعن سرا في منزلها، بينما كان “الحرس الثوري” يطارد ملامح الحياة في الخارج.
اليوم، ونحن نراقب ما يحدث في المنطقة، نجد أن “لوليتا” لم تغادر طهران بعد، بل إن المأساة تكررت وتوسعت، ليس فقط بفعل القمع، بل بصمت -أو تبرير- فئة كان من المفترض أن تكون صوت الضمير: النخبة المثقفة.
الأدب في مواجهة “الأيديولوجيا العمياء”
في الكتاب، نرى كيف حاول النظام بعد الثورة قولبة كل شيء، من ملابس النساء إلى محتوى الكتب، ليناسب رؤية “ولاية الفقيه”. ما أشبه الليلة بالبارحة؛ فالقمع الذي وصفته نفيسي في الثمانينيات هو ذاته الذي يواجهه الشباب اليوم في شوارع إيران ومناطق نفوذها.
لكن الصادم ليس بطش النظام، بل هو موقف “النخبة” التي تغض الطرف عن جرائم هذا النظام. هؤلاء الذين يبررون سحق العظام، وتكميم الأفواه، وإعدام المتظاهرين، فقط لأن هذا النظام يرفع شعار “الموت لأمريكا”.
انتقاد النخبة: السقوط في فخ “العدو المشترك”
لقد سقطت شريحة واسعة من المثقفين في فخ أيديولوجي قاتل: “عدو عدوي صديقي”. بالنسبة لهؤلاء:
لا يهم إذا سُجنت النساء أو قُتل الأحرار، طالما أن النظام “ممانع”.. تصبح حقوق الإنسان “أجندة غربية” إذا طالبت بها شعوب المنطقة ضد أنظمة شمولية.. ويتحول عندهم المثقف من مدافع عن “الإنسان” إلى محامٍ عن “النظام” بحجة الجغرافيا السياسية.. إن سكوت هذه النخبة عن جرائم نظام ولاية الفقيه ضدا في السياسة الأمريكية هو خيانة صريحة لدور المثقف. فالحرية لا تُجزأ، والظلم لا يصبح مقبولا لمجرد أن فاعله يعادي واشنطن.
تعلّمنا آذر نفيسي أن الاستبداد يبدأ بمصادرة “الخيال الشخصي” وفرض رواية واحدة على الجميع. واليوم، ندرك أن التواطؤ مع هذا الاستبداد يبدأ حين يقرر المثقف أن يرى العالم بعين واحدة، فيصمت عن الجلاد “المحلي” نكاية في الخصم “الدولي”.
إن قراءة “لوليتا في طهران” اليوم ليست مجرد استرجاع لمذكرات أدبية، بل هي صرخة في وجه كل من يبرر القمع باسم القضايا الكبرى. فالثورة التي لا تحرر الإنسان من الداخل، هي مجرد سجن كبير بيافطة جديدة!
مملكتنـــــــا.م.ش.س/و.م.ع
![]()







