محمد الشرقاوي -البزيوي-
دكتور في التاريخ المعاصر باحث في القانون والعلوم الاجتماعية، مهتم بقضايا التاريخ السياسي للمغرب
لم تكن هزيمة المنتخب المغربي أمام نظيره السنغالي حدثًا رياضيًا عابرًا، بقدر ما تحولت إلى لحظة كاشفة لطبقات عميقة من التوترات التاريخية والسياسية الكامنة في الوعي الجماعي الإفريقي والعربي. فقد رافق هذه الهزيمة سيل من ردود الفعل التي تجاوزت منطق المنافسة الرياضية، واتخذت في بعض الأحيان طابع التشفي الصريح، خصوصًا من طرف أصوات إعلامية وشعبية في السنغال والجزائر ومصر.
هذا السلوك لا يمكن فهمه دون استحضار السياقات التاريخية والتحالفات المؤسساتية داخل القارة، حيث لم تعد الرياضة، وبالأخص كرة القدم، مجالًا محايدًا، بل أداة رمزية لإعادة إنتاج صراعات الذاكرة والزعامة.
أولًا: ما وراء الهزيمة – السياق المؤسساتي داخل الكاف
تأتي هذه المباراة في ظل تحولات دقيقة داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (CAF)، خاصة عقب انتخابات رئاسته، التي عكست تغير موازين القوى داخل القارة. فقد شكّل تصويت المغرب لصالح موريتانيا، بدل دعم مرشح السنغال الذي غاب ممثلها خلال تلك المرحلة، لحظة مفصلية في إعادة رسم التحالفات داخل الجهاز الكروي الإفريقي.
ورغم أن هذا التصويت يندرج من الناحية الشكلية ضمن قواعد العمل المؤسساتي، إلا أن دلالته السياسية كانت واضحة، وأثّرت في طبيعة العلاقات غير المعلنة بين بعض الاتحادات الوطنية، ما يجعل من الصعب فصل الهزيمة الرياضية عن هذا السياق التراكمي
ثانيًا: الذاكرة التاريخية وحملة الباشا جودر
لا يزال التاريخ السعدي، وتحديدًا حملة الباشا جودر على بلاد السودان الغربي في أواخر القرن السادس عشر، حاضرًا – ولو بشكل انتقائي – في المخيال السياسي لبعض النخب الإفريقية. فقد امتدت هذه الحملة إلى مناطق تشمل مالي والنيجر وأجزاء من المجال السنغالي الحالي، في إطار تنافس إمبراطوري كان سائدًا في زمنه .
غير أن استدعاء هذا الحدث اليوم يتم غالبًا خارج سياقه التاريخي، ويتم توظيفه لتغذية سرديات معاصرة تُسقط مفاهيم الدولة القومية الحديثة على وقائع ما قبلها، وهو ما أشار إليه عدد من المؤرخين الذين أكدوا أن العلاقات المغربية–الإفريقية كانت في جوهرها علاقات تبادل تجاري وروحي وثقافي، لا علاقات احتلال بالمعنى الحديث
ثالثًا: الجزائر .. من ذاكرة الدعم إلى منطق الخصومة
يشكل الموقف الجزائري نموذجًا صارخًا لتحول الذاكرة التاريخية من رصيد أخلاقي إلى أداة صراع. فالدور المغربي، بقيادة الملك محمد الخامس، في دعم الثورة الجزائرية سياسيًا ولوجستيًا، موثّق تاريخيًا ولا خلاف حوله
غير أن هذا التاريخ المشترك لم يمنع بروز سياسات عدائية لاحقة، من أبرزها طرد عشرات الآلاف من المغاربة من الجزائر سنة 1975، في خرق صريح للروابط الإنسانية والاجتماعية بين الشعبين
وعليه، فإن مظاهر التشفي في الهزيمة المغربية لا يمكن فصلها عن هذا المسار المتوتر، حيث تُستعمل الرياضة كوسيلة رمزية لتعويض العجز السياسي أو لإعادة إنتاج خطاب الخصومة.
رابعًا: الموقف المصري وجذور التوتر الأيديولوجي
أما الخطاب المصري المتشفي، فيجد جذوره في مرحلة الصراع الإيديولوجي العربي خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حين اتسمت العلاقات المغربية–المصرية بفتور ملحوظ بسبب اختلاف الرؤى بين النظام الملكي المغربي والمشروع الناصري
ويزداد هذا التناقض حدة عند استحضار الدعم المغربي التاريخي لمصر، سواء خلال الحملة الفرنسية، أو عبر الحضور الديني والثقافي المغربي في مصر، المتمثل في الزوايا المغربية وعلمائها، الذين كانوا جزءًا من النسيج الروحي والاجتماعي المصري
غير أن بعض الخطابات الإعلامية لا تزال أسيرة هذا الإرث الإيديولوجي، وتعيد إنتاجه كلما سنحت مناسبة رمزية، كالتعثر الرياضي المغربي.
خامسًا: كرة القدم كأداة سياسية ورمزية
أثبتت دراسات عديدة أن كرة القدم في إفريقيا والعالم العربي ليست مجرد لعبة، بل فضاء لإسقاط التوترات السياسية والرمزية
فالهزيمة هنا تُقرأ كـ«انكسار معنوي» يتجاوز المنتخب، بينما يُستثمر الانتصار لتعزيز سرديات التفوق أو تصفية حسابات مؤجلة.
وفي هذا السياق، تصبح ردود الفعل المتشنجة تعبيرًا عن أزمة أعمق في تدبير الخلافات التاريخية، أكثر منها انعكاسًا لنتيجة مباراة.
تكشف هزيمة المغرب أمام السنغال أن الذاكرة التاريخية غير المُصفّاة، والتحالفات السياسية المتغيرة، لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على المجال الرياضي. فالتشفي ليس نتاج لحظة، بل نتيجة تراكمات طويلة من سوء الفهم والتوظيف الانتقائي للتاريخ.
وحده الوعي النقدي بالتاريخ، وفصل الرياضة عن منطق الصراع الرمزي، كفيلان بإعادة الاعتبار لكرة القدم كجسر للتقارب، لا كساحة لتجديد الخصومات.
مملكتنــــــــــا.م.ش.س
![]()








