محمود هرواك
خلف ستائر مدريد المخملية، وحيث يُطبخ القرار الأممي 2797 على نار هادئة، جرى الاجتماع الأخير الذي شد الأنظار وأسال كثيرا من المداد في سرية كبيرة جدا؛ فقد سبق في علم الجميع أن اجتماع السفارة الأمريكية ما كان ليصير مجرد تداول روتيني أو جلسة لتجرع قهوة المجاملات الدبلوماسية؛ فهو أشبه بالمبارزة الصامتة بالخناجر؛ مسرح كُشفت فيه النوايا العارية دون مساحيق تجميل. تسريباتٌ انفجرت كقنبلة عنقودية، نحمل لكم فتيلها لنعري ما دار خلف الأبواب التي أوصدتها واشنطن بالشمع الأحمر.
البداية كانت بالحصن المغربي و”سِفر” الأربعين ورقة! فبينما كان الخصوم يراهنون على العناوين الفضفاضة، دخل المفاوض المغربي المعركة مدججا بترسانة قانونية ثقيلة؛ وثيقة من أربعين صحيفة، لم تترك شاردة في حياة الصحراء إلا وأحصتها. لم يكن عرضا ولا استعراضا لأنها “هندسة دولة” متكاملة الأركان.
هنا، مارست الرباط دهاءها الاستراتيجي، فقدمت الحكم الذاتي كبنيان مرصوص لا ينفذ منه الماء، قاطعة الطريق على أي تأويل خبيث. التفاصيل كانت دقيقة حد المعادلات الرياضية، وبلغة السيادة التي لا تقبل القسمة، نصت الوثيقة على أن رأس الهرم في الإقليم لا يُنصّب إلا بتعيين ملكي شريف؛ فذلك هو “حبل السرة” الذي يضمن بقاء الدم الوطني يضخ في عروق الإقليم، قاطعا الطريق أمام أي “حصان طروادة” قد يحلم يوما بشق عصا الطاعة.
ولأن المال هو عصب الانفصال كما هو عصب الدولة، أحكمت الرباط قبضتها على الخزينة، مشترطة أن تصب كل الجبايات في الوعاء المركزي للدولة الأم، قبل أن تعود كشرايين حياة للمنطقة. إنها رسالة مبطنة لمن يقرأ ما بين السطور: “المال مال الدولة، والسيادة سيادة العرش، والأحلام خارج هذا الإطار مجرد سراب بقيعة”.
على الضفة الأخرى، ظهرت قيادة الجبهة كتاجر مفلس يحاول بيع بضاعته الكاسدة في سوق الأقوياء فكان العنوان كما الجوهر فارغا مضحكا عن رقصة ديك يُذبح لكنه لا يزال يناور باسم الرابوني في محاولة الرشوة الفاشلة! ففي مشهد يثير الشفقة السياسية، حاولت البوليساريو ممارسة لعبة “الإغواء” مع إدارة ترامب، عارضة موارد الصحراء كقرابين على مذبح المصالح الأمريكية، محاولة بائسة لشراء “وقت إضافي” أو استجداء موقف مغاير.
لقد جاؤوا ب “شرط” هو أقرب للنكتة السوداء: “نقبل الحكم الذاتي لعشر سنوات، ثم نعود لصندوق الاستفتاء!”. وكأنهم يطلبون من التاريخ أن يعود القهقرى، أو يحاولون دس “السم في العسل”. يريدون استغلال عقد من الزمن لغسل الأدمغة، وزرع الألغام الديموغرافية، ثم تفجير المعبد على رؤوس الجميع. لكن “الكوبوي” الأمريكي، ببراغماتيته المعهودة التي لا تؤمن إلا بالصفقات الناجزة، رمق هذا الطرح بعين الازدراء، معتبرا أن الحكم الذاتي هو محطة الوصول النهائية، لا قاعة انتظار لمغامرات جديدة.
وفي زاوية المشهد، كانت نواكشوط تقف على أطراف أصابعها. “حياد إيجابي” في العلن، وهواجس مكتومة في الخفاء. التسريبات تلمح لارتجاف موريتاني من “مارد” اقتصادي قد ينهض في الكويرة؛ ميناء مغربي عملاق قد يحول شريان الحياة في “نواذيبو” إلى ذكرى من الماضي. مطالبهم كانت همسات خائفة، ومحاولة لضمان موطئ قدم في خارطة المستقبل التي يرسمها المغرب بقلم من حديد. لقد كانت موريتانيا بوفدها تجسد الحياد بطعم “الخوف”
وحين انقشع غبار النقاشات، ألقت واشنطن بكلمتها الفصل: “لجنة حكماء وخبراء”. لم يعد هناك مجال للهروب إلى الأمام. الجميع سيجلس وجها لوجه، واللعب سيصبح على المكشوف. هذه اللجنة ليست سوى “المقصلة” الناعمة التي ستجهز على ما تبقى من أوهام، لتفرض الأمر الواقع بختم دولي.
تقول الحكمة القديمة: “من يملك الأرض يملك التوقيت”. المغرب يجلس اليوم ممدد الساقين فوق رماله، يراكم المكاسب بهدوء الواثق، في الوقت الذي يهرول الخصوم فوق منصة سباق مجنون مع الزمن، يرقبون بخوف عقارب الساعة وهي تقترب من منتصف ليل “الحقيقة”.
تسريبات مدريد إعلان وفاة لمشروع “الدولة الوهمية”، وتأكيد بأن العالم قد ضاق ذرعا بمسرحيات تندوف، وأن القطار قد غادر المحطة، ومن لم يركب في مقصورة “الحكم الذاتي”، سيجد نفسه وحيدا يصارع رمال الصحراء القاحلة.
مملكتنـــــــــا.م.ش.س
![]()








