وهيب السلاسي
حين اجتاحت الفيضانات مناطق واسعة من جهة فاس مكناس، لم تكن مجرد تساقطات مطرية عابرة، بل اختباراً حقيقياً لصلابة البنية التحتية وقدرة المؤسسات على التدخل في الزمن الصعب. أكثر من 400 عمود كهربائي سقط تحت ضغط السيول وانجراف التربة، في مشهد كان ينذر بانقطاع شامل للتيار وغرق آلاف المنازل في العتمة. غير أن ما حدث كان عكس ذلك تماماً.
في قلب الحدث، تحركت الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس مكناس بسرعة لافتة، بقيادة مديرها الجهوي محمد الشاوي، الذي وجد نفسه أمام امتحان ميداني عسير بعد أسابيع قليلة فقط من توليه المسؤولية. لكن الرجل، ومعه فرق تقنية وُصفت بـ“الجنود المجهولين”، اختاروا النزول إلى الميدان بدل الاكتفاء بإدارة الأزمة من المكاتب.
تعبئة شاملة في تضاريس وعرة
المناطق المتضررة لم تكن سهلة الولوج؛ تضاريس جبلية ومسالك مقطوعة وانجرافات خطيرة. ومع ذلك، اشتغلت الفرق التقنية ليلاً ونهاراً، مدعومة بآليات لوجستية ثقيلة وتجهيزات احتياطية تم تسخيرها بشكل فوري. تم تفعيل مخطط استعجالي لإعادة تثبيت الأعمدة المتساقطة، وتأمين الشبكة عبر حلول تقنية مرحلية ضمنت استمرارية التزويد بالكهرباء.
والنتيجة كانت لافتة: لم ينقطع التيار الكهربائي عن المنازل ولو لساعة واحدة، رغم حجم الخسائر المسجلة على مستوى الأعمدة والبنية السطحية للشبكة. وهو معطى يحمل دلالات قوية حول مستوى الجاهزية والتخطيط القبلي الذي اعتمدته الإدارة الجهوية.
الشاوي .. قيادة ميدانية بروح الفريق
بحسب معطيات متطابقة، حرص محمد الشاوي على تتبع تطورات الوضع لحظة بلحظة، من خلال تنسيق مباشر مع الأطر التقنية والسلطات المحلية، وتفعيل خلايا يقظة لتقييم الأضرار وتسريع القرار. أسلوب القيادة الذي يعتمده، والقائم على القرب والتواصل الميداني، بدا واضحاً خلال هذه الأزمة، حيث لم تكن المعركة تقنية فقط، بل معركة زمن وثقة.
“جنود الشاوي”، كما يسميهم بعض المتتبعين، لم يكونوا مجرد تقنيين بصدد إصلاح أعطاب، بل فرق تدخل اشتغلت في ظروف مناخية قاسية، وسط مخاطر حقيقية، لضمان خدمة يعتبرها المواطن بديهية لكنها في لحظات الكوارث تصبح تحدياً يومياً.
امتحان الثقة في المرفق العمومي
أزمة الفيضانات كشفت أن الاستثمار في الصيانة الدورية، وتوفير مخزون احتياطي من المعدات، واعتماد مقاربة استباقية، ليست ترفاً إدارياً بل ضرورة استراتيجية. كما أعادت التأكيد على أن المرفق العمومي قادر، حين تتوفر الإرادة والكفاءة، على مجاراة التحديات الطبيعية المتزايدة.
صحيح أن سقوط أزيد من 400 عمود كهربائي رقم ثقيل في ميزان الخسائر، لكنه في المقابل تحوّل إلى عنوان لنجاح أكبر: استمرارية الخدمة في أحلك الظروف. وهو نجاح يُحسب للشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس مكناس، ولقيادتها الجهوية التي وجدت نفسها في قلب العاصفة، فاختارت المواجهة بدل الانتظار.
لقد كانت الفيضانات امتحاناً عسيراً، لكن الشاوي وجنوده أثبتوا أن النور لا يُهزم بسهولة… وأن خلف كل مصباح يضيء في بيت آمن، رجالاً يسهرون في الظلام حتى لا ينطفئ الضوء.
مملكتنــــــــــا.م.ش.س
![]()








