محمود هرواك
على العشب المدريدي العريق، وفي ليلة يترقبها عشاق “التاكتيك” قبل عشاق الأهداف، يقف المنتخب المغربي غدا أمام مرآة قاسية تعكس التطور المرعب لكرة القدم في أمريكا الجنوبية، حيث لم تعد الإكوادور مجرد منتخب يعتمد على أوكسجين المرتفعات، بل تحولت إلى “ماكينة” بيوميكانيكية تجمع بين الشراسة البدنية والانضباط التكتيكي الأوروبي الصارم، إذ إن مواجهة “لا تريكولور” في عام 2026 لن تكون نزهة ودية بقدرما ستكون اصطداما بجدار بركاني صلب؛ فنحن نتحدث عن الفريق الذي نجح في تحويل تصفيات “الكونميبول” إلى حقل تجارب لصلابته الدفاعية، محققا رقما إعجازيا باستقبال هدفين فقط في اثنتي عشرة مواجهة رسمية متتالية، بل إن الأرقام تذهب لأبعد من ذلك لتقرر أن هذا الخصم لم يتلق سوى ثلاثة أهداف في آخر خمسة عشر لقاء خاضها، وهو ما يعكس منظومة الكتلة المتوسطة التي يطبقها سيباستيان بيكاسيسي بدقة جراحية، حيث تضيق المساحات بين الخطوط إلى حد الاختناق، ويتحول الملعب إلى مربعات ضيقة يمنع فيها الخصم من تدوير الكرة براحة، مما سيفرض على أسود الأطلس اختبارا حقيقيا لقدرتهم على الاختراق العمودي واللعب في المساحات الضيقة جدا، خاصة مع وجود جدار دفاعي يقوده وليام باتشو وبييرو هينكابي، اللذان يمثلان الجيل الجديد للمدافعين القادرين على بناء اللعب تحت أعتى أنواع الضغط العالي، وهو ما يضع هجومنا أمام تحدي “فك الشفرة” اللاتينية المستعصية.
إن القوة الضاربة لهذا المنتخب تكمن في التحولات الهجينة التي يقودها محرك تشيلسي، مويسيس كايسيدو، الذي لا يكتفي بأدوار قطع الكرات، بل يشكل مع محاور الارتكاز نظاما دفاعيا نشطا يجعل من الصعب جدا على أي صانع ألعاب أن يجد ثانية واحدة للتفكير؛ فالضغط يمارس على حامل الكرة من زوايا متعددة لإجباره على ارتكاب الأخطاء في مناطق قاتلة، وهذا الاحترام الذي يفرضه الخصم ينبع من كونه الفريق الذي كسر هيبة الكبار، محتلا وصافة التصفيات بجدارة متفوقا على البرازيل والأوروغواي، ومقدما نموذجا للمنتخب الذي لا يحتاج لامتلاك الكرة بنسب عالية لينتصر، بل يحتاج فقط للتحكم في إيقاع المباراة وفرض أسلوبه البدني الذي يستنزف طاقة المنافس، وهنا تبرز مفصلية المباراة بالنسبة للمنتخب المغربي؛ فهي الاختبار الأول للمدرب محمد وهبي الذي يسعى لتدشين هوية تكتيكية جديدة تعتمد على الاستحواذ الفعال وبناء اللعب المنظم من الخلف انطلاقا من حراسة المرمى عبر ياسين بونو، مع منح أدوار مركبة للاعبين مثل إسماعيل صيباري في المساحات النصفية، وإطلاق العنان لإبراهيم دياز ليكون “الترمومتر” الذي يضبط إيقاع الهجوم ويحول الاستحواذ السلبي إلى اختراقات عمودية تضرب تكتل الإكوادور، مع ضرورة الحذر من الاندفاع الهجومي غير المحسوب أمام منتخب يجيد لدغ الخصوم في لحظات الشرود الذهني عبر مرتدات خاطفة يقودها غونزالو بلاتا وإينير فالنسيا.
في قلب هذا الصدام التكتيكي، ينتظر من أسود الأطلس اعتماد وسائل مبتكرة للتغلب على هذا الخصم العنيد، لعل أبرزها هو الضغط العكسي السريع لمنع الإكوادور من إطلاق مرتداتها القاتلة، وتوظيف ظهراء بخصائص هجومية مثل أشرف حكيمي ونصير مزراوي كأظهرة مقلوبة لخلق تفوق عددي في وسط الميدان، مع إعطاء الفرصة لعناصر مثل شادي رياض وعيسى ديوب لإثبات جدارتهما في سد الفراغ الدفاعي، فالمباراة غدا في “المتروبوليتانو” ستتجاوز نتيجتها الرقمية لتبحث في عمق الشخصية الدولية للمنتخب المغربي؛ حيث أن الفوز سيعني أن المغرب لم يعد يكتفي بالدفاع والارتداد، بل أصبح يمتلك الأدوات التقنية والجرأة لفك شفرة أكثر المنظومات الدفاعية تعقيدا في العالم، في اختبار هو الأقرب لمحاكاة مباريات كأس العالم من حيث القوة والالتزام الصارم، مما يجعلها الودية الأكثر رسمية في تاريخ التحضيرات المغربية الحديثة، وصفحة جديدة تكتب بحبر الطموح في كتاب الكرة الوطنية تحت قيادة فنية وطنية شابة تطمح لتجاوز سقف التوقعات.
مملكتنـــــــــــــا.م.ش.س
![]()








