آخر الأخبار

  • مونديال 2026 .. الاتحاد الدولي لكرة القدم ” فيفا” يضع الثقة في 170 حكما لإدارة العرس الكروي العالمي

  • استنكار شروط الدعم العمومي المجحفة في حق المقاولات الصغرى والصحافة الجهوية

  • المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة .. إسدال الستار على أسبوع من الاحتفاء بتنوع السينما الإفريقية

  • الاستبداد السياسي .. قراءة في آليات الاستحواذ ومخاطر الديمقراطية الشكلية

  • شريط فيديو يطيح بشخص قدم مواد كحولية لقاصر بضواحي الريش

  • أسود الأطلس في آخر اختبار للجاهزية

الاستبداد السياسي .. قراءة في آليات الاستحواذ ومخاطر الديمقراطية الشكلية

​بوشعيب هارة
​يُشكل الاستبداد السياسي أحد أخطر المظاهر الفتاكة التي تنخر جسد المجتمعات المعاصرة؛ إذ لم يعد هذا المفهوم يقتصر على صورته الكلاسيكية الفجة القائمة على القمع المباشر، بل تحول إلى ممارسات بنيوية ناعمة تضرب في عمق المجتمع وتهدم أسسه الاستقرارية والتنموية. إن هذا الاستبداد يتخذ اليوم من البراغماتية المكيافيلية شعاراً أبدياً له، حيث “الغاية تبرر الوسيلة”، وحيث تُنحى الفضيلة والقيم البناءة جانباً لحساب المصالح الذاتية والضيقة. ومن أجل تحصين هذه المصالح، تُخرق القوانين، وتُحاك الدسائس، والمفارقة الصارخة هنا أنها تُمرر غالباً تحت غطاء شعارات ديمقراطية براقة، وبخطب رنانة جوفاء المضمون، تهدف إلى دغدغة العواطف وتزييف الوعي الجماعي.
​وعندما يرخي الاستبداد السياسي بظلاله كظلام دامس، فإنه يلتهم الحريات الفردية، ويقضي على قيم المساواة والعدالة الاجتماعية، ضارباً عرض الحائط بمبادئ العمل السياسي النزيه القائم أساساً على خدمة الصالح العام ورعاية شؤون المواطنين. وبدلاً من أن تتحول السياسة إلى قاطرة للنضال الشريف ورفع التحديات الكبرى التي تواجه الأمة، يُختزل العمل السياسي في صراع محموم على المكاسب الشخصية وتكريس النفوذ.
​تفكيك البنية الجوهرية للاستبداد
​في عمقه الفلسفي والسياسي، يفترض الاستبداد ابتداءً وجود علاقة بين طرفين (السلطة والمجتمع) يُفترض أنهما متساويان في الحقوق والواجبات العامة بموجب العقد الاجتماعي والشرعية القانونية. إلا أن المستبد ينفرد دون وجه حق بإدارة شؤون المجتمع السياسي، مستحوذاً على “الحقوق المشتركة” ومقصياً الطرف الآخر ومهمشاً دوره.
​لذلك، فإن السمة الجوهرية والكلية للاستبداد هي الإنفراد غير المشروع بالسلطة والثروة والقرار، وهو فعل يقوم على الاستيلاء والسيطرة على ما هو حق مشاع لجميع أفراد المجتمع. إنه باختصار: تحويل العام إلى خاص، وتحويل الوطن إلى ضيعة فئوية.
​هندسة القوانين: الاستبداد التشريعي المقنع
​ولا يقف الاستبداد عند حدود الممارسة الميدانية، بل يمتد ليتخذ شكلاً قانونياً خطيراً يُعرف بـ “الاستبداد التشريعي”. فالمستبد يدرك أن بقاءه مرهون بوجود ترسانة قانونية تحميه، لذلك يتم تفصيل القوانين الانتخابية والمنظومات التشريعية على مقاس النخب السائدة.
​تتجلى هذه الهندسة التشريعية في صياغة أنظمة انتخابية معقدة (مثل التلاعب بـ “القاسم الانتخابي” أو “تقسيم الدوائر”) بطرق لا تهدف إلى تحقيق أوسع تمثيلية للشعب، بل تهدف إلى بلقنة وتشتيت المشهد السياسي لضمان عدم صعود قوى وطنية حقيقية قادرة على التغيير. إن وضع عوائق وشروط تعجيزية أمام الكفاءات المستقلة والشبابية، وفي المقابل تسهيل تغلغل أصحاب النفوذ والمال، يحول النصوص القانونية من أداة لإرساء العدالة إلى وسيلة شرعية لشرعنة الاستبداد وإغلاق منافذ التداول الحقيقي على السلطة.
​الاستبداد في زمن الانتخابات: “صناعة الوهم”
​ومع وقوف المجتمع اليوم على أعتاب الانتخابات البرلمانية، يتلون الاستبداد السياسي بآليات جديدة تُعرف بـ “الهندسة الانتخابية وتزييف الإرادة”. في هذه المرحلة الحساسة، يتحول الاستبداد من ممارسة خفية إلى الالتفاف الذكي على صناديق الاقتراع. ويتم ذلك عبر محاور خطيرة:
​أولاً: إفراغ الديمقراطية من محتواها، وتحويل الانتخابات من أداة حقيقية للتداول السلمي على السلطة والمساءلة المحاسبية، إلى مجرد طقس شكلي ومسرحية إجرائية تهدف لشرعنة وجود النخب المستبدة وإطالة عمر امتيازاتها.
​ثانياً: استغلال الحاجة والفقر عبر توظيف المال السياسي الفاسد والوعود الوردية الزائفة لاستمالة أصوات الناخبين، مما يحرم المواطن من حق الاختيار الحر المبني على البرامج والأفكار والكفاءة، ويحول الصوت الانتخابي إلى سلعة تُباع وتُشترى.
​ثالثاً: الخطاب التضليلي والمضامين الجوفاء، حيث تنتعش كائنات انتخابية لا تظهر إلا في المواسم، تتقن لغة الوعود وتتبنى قضايا الشعب ظاهرياً، بينما تضمر في باطنها استمرار الوضع القائم وحماية مصالحها بعد إغلاق صناديق الاقتراع.
​دور الشباب والمجتمع المدني: كسر حلقة الاستبداد
​إن مواجهة هذا التغول الاستبدادي، خاصة في المحطات الانتخابية المفصلية، لا تتطلب مجرد مقاطعة سلبية أو تذمر ويأس في الصالونات المغلقة، بل تستلزم بناء جبهة وعي مجتمعي يقظ. وهنا يبرز الدور المحوري والوجودي للشباب والمجتمع المدني باعتبارهم الكتلة الحية القادرة على قلب الموازين.
​إن على عاتق الشباب والمجتمع المدني اليوم مسؤولية الانتقال من دور المتفرج إلى دور الفاعل الحاسم، وذلك عبر مراقبة نزاهة العمليات الانتخابية، ورصد الخروقات والتبليغ عن فساد المال السياسي، ومحاربة محاولات الالتفاف على روح القوانين. والأهم من ذلك هو قيادة حملات التوعية الرقمية والميدانية لتفكيك الخطاب الرسمي الزائف، وبث روح الأمل في إمكانية التغيير عبر حسن الاختيار والفرز الدقيق للنخب. يجب أن يدرك الجميع أن العزوف عن صناديق الاقتراع هو الهدية الكبرى التي ينتظرها المستبد، لأن غياب الشرفاء يخلي الساحة للفاسدين ليعيدوا إنتاج أنفسهم.
​إن الاستبداد، مهما تجبر وتستر وراء قوالب الديمقراطية وشعرية الخطب الرنانة والقوانين الموجهة، يظل كياناً هشاً وقابلاً للانكسار أمام إرادة الشعوب الحية والواعية. والانتخابات البرلمانية المقبلة هي المحك الحقيقي؛ إما أن تكون محطة لتجديد شرعية الاستبداد بوعي مغيب، أو تكون خطوة تاريخية إلى الأمام نحو استرداد الحقوق المشتركة وإرساء دولة الحق والقانون والمؤسسات التي تخدم الإنسان أولاً وأخيراً.

Loading

اقرأ أيضا
  • مونديال 2026 .. الاتحاد الدولي لكرة القدم ” فيفا” يضع الثقة في 170 حكما لإدارة العرس الكروي العالمي

    مملكتنا/
    يونيو 7, 2026
  • استنكار شروط الدعم العمومي المجحفة في حق المقاولات الصغرى والصحافة الجهوية

    مملكتنا/
    يونيو 7, 2026
  • المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة .. إسدال الستار على أسبوع من الاحتفاء بتنوع السينما الإفريقية

    مملكتنا/
    يونيو 7, 2026
أخبار آخر الساعة
  • مونديال 2026 .. الاتحاد الدولي لكرة القدم ” فيفا” يضع الثقة في 170 حكما لإدارة العرس الكروي العالمي

  • استنكار شروط الدعم العمومي المجحفة في حق المقاولات الصغرى والصحافة الجهوية

  • المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة .. إسدال الستار على أسبوع من الاحتفاء بتنوع السينما الإفريقية

  • الاستبداد السياسي .. قراءة في آليات الاستحواذ ومخاطر الديمقراطية الشكلية

الاستبداد السياسي .. قراءة في آليات الاستحواذ ومخاطر الديمقراطية الشكلية