آخر الأخبار

  • أزمور.. إسدال الستار على الدورة الثالثة لمهرجان “أرواح غيوانية”

  • “سبايس إكس” تدخل “وول ستريت”.. وثروة ماسك على أعتاب التريليون دولار

  • «لم نتسلم الورش» .. عذر أقبح من زليجكم .. كيف يبيعون الوهم في ساحة جامع الفنا المصنفة تراثا عالميا ؟

  • المنتخب المغربي يطارد النجاعة التكتيكية في افتتاح مسار “مونديال 2026”

  • رفض “تأشيرات المونديال” يرفع مطالب استرجاع أموال المشجعين المغاربة

  • توقعات طقس اليوم السبت بالمغرب

«لم نتسلم الورش» .. عذر أقبح من زليجكم .. كيف يبيعون الوهم في ساحة جامع الفنا المصنفة تراثا عالميا ؟

محمود هرواك

من ذا الذي يملك الحق في تجريد الحلم المراكشي من ألوانه الدافئة!؟ ومن ذا الذي تكلته أمه ليمنح الضوء الأخضر لتحويل النبض التاريخي لعاصمة المرابطين والموحدين إلى مسرح بائس للاختبارات الهندسية الهجينة!؟ إن ما تقترفه الأيادي اليوم في ساحة جامع الفنا، تحت يافطة “التأهيل والعصرنة” تعدى توصيفه ب “تعثر ورش حضري”، بل هو جريمة اغتيال بصري وتدبيري مكتملة الأركان، واعتداء موصوف على ذاكرة إنسانية صانتها منظمة اليونسكو كإرث حضاري لا يقبل العبث!
واهم إذن من خال هذه الساحة يوما عقارا مسطحا تابع للمجالس المنتخبة لتفعل به ما تشاء؛ وقد حصل ذاك للأسف! إنها ساحتنا التي ظنناها ملكية مشاعة للوجدان العالمي، وروحا تنبض بـ”التمغربيت” العفوية؛ لكنهم اغتالوها!! نعم عزيزي القارئ اغتالوها ومثّلوا بجثتها ولعل أول التمثيل هو تلك الأرضية الكالحة التي جردت المكان من هويته الترابية التاريخية المراكشية الحمراء!! ويا لوقاحة تلك الجبهة المضادة التي فتحتها بعض الأبواق التبريرية، والتي راحت تكيل تهم “التخوين” والتبخيس والعدمية لكل غيور صدح بالحق وأراد قليلا من الاعتبار للساحة الأشهر عالميا. إن اتهام الفاعلين المدنيين والمثقفين والساكنة والصحفيين الذين لم يفعلوا شيئا سوى ممارسة حقهم الدستوري والأخلاقي في تعرية هذا الفشل الفج، هو قمة الإفلاس السياسي والعجز عن مقارعة الحجة بالحجة، ومحاولة بائسة لتكميم الأفواه التي ترفض أن ترى قلب مراكش يُكفن في بلاط بارد وحديد أصم!

وفي خضم هذا الغليان الشعبي المحتقن، أطل علينا النائب الأول لعمدة مراكش محمد الإدريسي بتصريح يندى له جبين التدبير العمومي، مدعيا في محاولة مكشوفة لاستغباء الرأي العام وصرف الاحتجاجات، بأن “المجلس الجماعي لم يتسلم بعد المشروع تسلما نهائيا”. إن هذا العذر الإداري الأعرج لا يشكل فقط سقطة تواصلية، بل يعكس استخفافا مهولا بذكاء المواطنين، وهروبا جبانا إلى الأمام. فهل يتعامل سدنة الشأن المحلي مع قلب مراكش النابض بصفتها بضاعة إلكترونية ننتظر وصولها عبر البريد لنكتشف رداءتها بعد فتح الطرد!؟ إن هذا المنطق يجهل، (أو يتجاهل عمدا وذاك التعبير الأصح) أبجديات قانون الصفقات العمومية؛ فالمجلس الجماعي هو صاحب المشروع (Maître d’ouvrage)، وهو الجهة الممولة والمشرفة التي صادقت على التصاميم ووقعت على دفاتر التحملات (Cahiers des charges). أين كانت لجان التتبع والمراقبة الآنية (Contrôle concomitant) التابعة للجماعة والولاية حين كانت الآليات تدك الأرضية وتغرس تلك الصناديق الحديدية الداكنة!؟ إن التذرع بعدم التسليم هو اعتراف صريح وموثق بالغياب التام للمراقبة، وإقرار بأن المجلس ترك مصير ساحة عالمية لارتجال المقاولات وعبثية المنفذين، ليعود اليوم باحثا عن صك غفران إداري تافه أمام واقع مشوه تم تثبيته بالإسمنت المسلح.
ولم تقف حدود هذه الملهاة التراجيدية عند هذا الحد، بل انحدرت إلى قاع الفكاهة السوداء حين صرح ذات المسؤول، بكل ثقة وأريحية، ردا على الانتقادات اللاذعة لتبليط الأرضية وتدني جودتها، بأنهم سيقومون بـ”دهن مادة الفيرني” (الورنيش) لتلميع الواجهة وتصحيح المنظر. هل يعقل، في مغرب القرن الحادي والعشرين الذي يحتضن كبريات القمم العالمية، أن يصرح مسؤول عمومي بمنطق الترقيع الصباغي لمعالجة تشوه بنيوي في موقع تراثي لا يقدر بثمن؟ إن هذا التصريح ينم عن ضحالة مخيفة في الفهم التقني وقصور فادح في استيعاب الجمالية الحضرية. كيف لطلاء كيميائي سطحي أن يعيد الروح الوردية لأحجار رمادية ميتة استُجلبت من خارج السياق اللوني للمدينة؟ وكيف لـ”الفيرني” أن يحل كوارث الانحدارات المائية (Les pentes) التي حولت الساحة مع أولى القطرات إلى مستنقعات وبرك راكدة تفضح غياب أبسط قواعد الهندسة المدنية؟ إن الحديث عن تلميع أرضية مخصصة لضغط ملايين الأقدام سنويا بمادة سطحية ستزول مع أول احتكاك لتتحول إلى بقع لزجة ومقززة، هو تلخيص مكثف لعقلية “الماكياج الرديء” التي تدار بها أوراش تقدر ميزانياتها بالمليارات.

وهنا، لا بد من وقفة عتاب مرير وصدق قاسٍ مع السيدة العمدة والوزيرة، فاطمة الزهراء المنصوري. نحن الذين ترفعنا عن لغة التبخيس، ودافعنا بشراسة عن كفاءتها المشهودة في تدبير أعتى الملفات على المستوى المركزي بوزارة إعداد التراب الوطني والتعمير، وواجهنا معها جيوب المقاومة السياسية، لا نملك اليوم إلا أن نوجه إليها لوما ثقيلا بحجم خيبة الأمل. إن خطيئتها الاستراتيجية تكمن في التفويض! كيف لقامة سياسية تفهم بعمق أبعاد سياسة المدينة أن تسلم رقبة جامع الفنا، أيقونة المغرب الثقافية، لنواب ومسؤولين محليين أثبتت تصريحاتهم وقراراتهم الميدانية فصاما تاما عن روح مراكش؟ إن تفويض الصلاحيات لا يعفي من المسؤولية السياسية والرقابية، وترك فضاء بهذه القدسية التاريخية بين أيدي من يعتقدون أن الأزمات المعمارية تُحل بـ”دهنة فيرني”، هو استنزاف مجاني لرصيد العمدة نفسها، وخذلان لمدينة ائتمنتها على ذاكرتها وتاريخها.

ولو أن هناك عقولا تستحضر القانون والجمال على حد سواء يا فاطمة!! كان لزاما إعمال مبدأ الديمقراطية التشاركية الذي ينص عليه الدستور، عبر إطلاق مختبر تفكير مواطن يجمع مهندسي التراث، وعلماء الاجتماع، وحماة الذاكرة، جنبا إلى جنب مع المهندسين الذين يمتلكون المعرفة الاستخدامية للمكان! وكان أدنى من ذلك يا سليلة آل المنصوري من الناحية التقنية والجيومورفولوجية الابتعاد كليا عن الزليج التجاري المستورد والصلابة الإسمنتية، والاعتماد على الحجر الطبيعي المحلي المشبع بالأكاسيد الحديدية (كحجر منطقة الحوز)، مع تقنية تبليط عتيقة تسمح بامتصاص المياه وتوجيهها عبر قنوات تصريف تحتية دقيقة بانحدار علمي مدروس. أما فاجعة الهياكل الحديدية، فكان يمكن تلافيها باللجوء إلى “الهندسة المتلاشية أو المرنة” (Architecture éphémère)، تماما كما فُعل في كبريات الساحات التاريخية العالمية كساحة “غراند بلاس” ببروكسل أو الساحات الإيطالية العتيقة؛ حيث تُعتمد مظلات هيدروليكية خفيفة، تتلون بلون التراب والنحاس، تفتح ليلا بتناسق بديع، وتطوى نهارا لتتلاشى في الفضاء وتترك الساحة تتنفس وتعانق صومعة الكتبية بلا حواجز بصرية خانقة. إن الترافع اليوم عن جامع الفنا ليس ترفا فكريا، بل هو معركة وجودية لإنقاذ روح المغرب من مقصلة العبث وانعدام الذوق، ومطالبة صارمة بوقف هذا النزيف البصري، ومحاسبة كل من سولت له نفسه تحويل تاريخنا المجيد إلى حقل تجارب فاشلة.

وفي نهاية المطاف، ليت الذين هندسوا هذا الخراب البصري وأوصدوا آذانهم عن نبض الشارع يدركون أن ساحة جامع الفنا ليست صفقة عمومية تُطمس معالمها بجرة قلم ومزاج مقاول. إنها أقدم مسرح حي في تاريخ الإنسانية، وكتاب مفتوح خُطت صفحاته بعبق التوابل، وإيقاعات “كناوة”، ووهج الألوان الترابية التي تعكس شمس الحوز ودفء الطين المراكشي. ليعلموا أن هياكلهم الحديدية مهما تصلبت سيأكلها الصدأ، وأن “ورنيشهم” السطحي مهما لمع ستبهته شمس الحقيقة الحارقة وستمحوه أقدام العابرين، ولن يبقى شاهدا على هذا العبث سوى صك الاتهام الذي سيكتبه التاريخ في صحائف تدبيرهم. إن صومعة الكتبية، التي وقفت شامخة لتسع قرون تحرس أرواح من بنوا مجد هذه الحاضرة، تقف اليوم شاهدة بأسى على هذا الجحود المعماري، وتنظر بغصة من عليائها إلى فنائها الذي كان بالأمس القريب ساحة للفرجة والفرح، فصار اليوم ساحة للفرجة على خيبات التدبير وانعدام الذوق. فخذوا إسمنتكم البارد، واسحبوا صناديقكم الداكنة وطلاءكم الكيميائي، وأعيدوا لمراكش وجهها الحنطي وابتسامتها العفوية؛ فجامع الفنا حكاية لا تقبل أن تُختزل في لغة الرمادي الكئيب، بل هي أسطورة حية كُتبت بالتراب والروح، ومن لا يتقن قراءة أبجديتها العتيقة، حري به أن يرفع يديه عنها وألا يدنس فصولها الخالدة.

Loading

اقرأ أيضا
  • أزمور.. إسدال الستار على الدورة الثالثة لمهرجان “أرواح غيوانية”

    مملكتنا/
    يونيو 13, 2026
  • “سبايس إكس” تدخل “وول ستريت”.. وثروة ماسك على أعتاب التريليون دولار

    مملكتنا/
    يونيو 13, 2026
  • «لم نتسلم الورش» .. عذر أقبح من زليجكم .. كيف يبيعون الوهم في ساحة جامع الفنا المصنفة تراثا عالميا ؟

    مملكتنا/
    يونيو 13, 2026
أخبار آخر الساعة
  • أزمور.. إسدال الستار على الدورة الثالثة لمهرجان “أرواح غيوانية”

  • “سبايس إكس” تدخل “وول ستريت”.. وثروة ماسك على أعتاب التريليون دولار

  • «لم نتسلم الورش» .. عذر أقبح من زليجكم .. كيف يبيعون الوهم في ساحة جامع الفنا المصنفة تراثا عالميا ؟

  • المنتخب المغربي يطارد النجاعة التكتيكية في افتتاح مسار “مونديال 2026”

«لم نتسلم الورش» .. عذر أقبح من زليجكم .. كيف يبيعون الوهم في ساحة جامع الفنا المصنفة تراثا عالميا ؟