محمود هرواك
يبدو أن مطبخ حزب الاستقلال قد استعصى عليه إعداد وجبة التزكيات الدسمة دون أن تفوح منها رائحة الاحتراق الداخلي!! ففي مشهد يفتقر إلى أبسط مقومات العرف السياسي، خرجت الدفعة الأولى من مرشحي “الميزان” لاستحقاقات 2026، بعملية ولادة قيصرية عسيرة، لم تنجب تجديدا موعودا، بل أعادت استنساخ ملامح الحرس القديم بتجاعيده الانتخابية المتهالكة الطاعنة في السن، كاشفة عن تصدعات عميقة في جدار حزب يدعي التجديد، بينما يغوص حتى الركب في وحل الترضيات!
إن قراءة متأنية للائحة الأولى لا تضعنا أمام حزب يخطط لاكتساح المستقبل، بل أمام ما يشبه شركة مساهمة يسعى كبار مساهميها إلى تأمين حصصهم قبل إعلان الإفلاس!! لقد رفع الحزب شعارات الكفاءة والاستحقاق، لكنه في الواقع الانتخابي انحنى إجلالا لدكتاتورية الأعيان وأصحاب النفوذ. فالأسماء التي تصدرت المشهد، من نزار بركة في العرائش، مرورا بعبد الصمد قيوح في تارودانت، وصولا إلى عمر حجيرة بوجدة، ليست سوى تأكيد صارخ على أن القيادة الحالية مصابة بعلة مرضية تشخيصها “فوبيا التغيير”. إنهم يفضلون اللعب في شطرنج السياسة بالبيادق القديمة والمضمونة، درءا لخطر الوجوه الجديدة التي قد تربك حسابات الكولسة الداخلية.
وما عاد يخفى على أحد أن التزكيات داخل حزب الاستغلال (عفوا الاستقلال!) لم تعد جواز مرور نحو خدمة الشأن العام، بل تحولت إلى صكوك غفران تُوزع على من يملك القدرة على حشد الأصوات، حتى لو كان الرصيد السياسي والفكري صفرا مكعبا!!
ولعل أكثر ما يفضح هشاشة هذه الانتصارات الورقية للقيادة الكستانية هو تلك الخرائط الملغومة التي اختارت الهروب منها وتأجيل الحسم فيها. فدائرة الحسيمة، المعقل التاريخي الذي كان يُفترض أن يكون حصنا منيعا، تحولت إلى بركان يغلي على صفيح فضائح نور الدين مضيان ورفيعة المنصوري. واعلموا أن القيادة هنا لم تتريث حكمة، بل ارتعشت خوفا من ارتدادات قضية أخلاقية وسياسية لم تندمل جراحها بعد.
وفي العاصمة العلمية، حيث كان ينبغي للميزان أن يكون ثقيلا كما كان، نجد أن عبد المجيد الفاسي الفهري قد اختار القفز من سفينة التشريع إلى قوارب ضبط الكهرباء المريحة، تاركا فاس الشمالية تتخبط في ظلام التنافس الداخلي. أما في الدار البيضاء، وتحديدا عين الشق، فقد تلقى الحزب صفعة مدوية بعد أن اختطف جرار الأصالة والمعاصرة القوي مرشحهم عبد الحق شفيق في وضح النهار، ليُترك الاستقلاليون يبحثون عن “كومبارس” يملأ الفراغ في رقعة شطرنج فقدوا السيطرة عليها.
وحين نولي وجوهنا شطر الجنوب، تتجلى الكارثة التنظيمية في أبهى صورها. فواهم من اعتقد غياب جهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب عن اللائحة تأخيرا ذلك أن الفقد هناك إقرار صريح بالعجز أمام سطوة التوازنات القبلية وصراعات النفوذ الطاحنة؛ ففي الصحراء تُحسم المعارك الانتخابية بأوزان ثقيلة! فكيف لوقفة خفيفة خفة القيادة المركزية في الرباط أن توفي الكيل!؟ كيف لها أن تفعل ذلك!؟وهي تقف موقف المتفرج العاجز عن فرض سلطة التنظيم أمام قوة الأعيان والوافدين الجدد، مفضلة تجميد الدوائر على تفجير الحزب من الداخل.
إن هذا التأجيل الممنهج للدوائر الحارقة واللهاث وراء استقطاب أسماء من أحزاب أخرى كحالة إدريس السنتيسي في سلا، يعري حقيقة مؤلمة وهي أن حزب الاستقلال اليوم لا يصنع قادته، بل يستأجر مقاتلين لمعارك 2026 تحت الطلب!
وإذا ما عدنا بقبلتنا لعاصمة النخيل، مراكش، وما يحيط بها من قلاع انتخابية بجهة مراكش آسفي، سنجد أن بورصة التزكيات لم تشذ قيد أنملة عن قاعدة تكريس القديم وتقديس الولاءات ففي هذه الرقعة الجغرافية الحارقة، لم تكن خريطة التزكيات سوى استعراض فجّ لعضلات الأعيان حيث أُجهضت أحلام التجديد على مذبح البرغماتية الانتخابية الباردة.. تأملوا المشهد عن قرب: كيف تم تثبيت أنس الهواجي في دائرة جليز النخيل المخملية عنوة وفسادا بل وإفسادا، وكيف أُعيد تسليم مفاتيح “المنارة” لعبد الرزاق أحلوش، في استمرارية مكشوفة لنهج يعتمد على إرضاء الماكينات الانتخابية الكلاسيكية بدل ضخ دماء سياسية قادرة على محاكاة نبض الشارع المراكشي. وفي امتدادات إقليم الحوز المنهك بأوجاعه، اختارت القيادة الاستقلالية التمترس الآمن خلف محمد إدموسى لضمان خزان الأصوات المعتاد، بينما لم تجد في قلعة السراغنة بُدا من التعويل على العياشي الفرفار، بكل ما يمثله من امتداد تقليدي وحسابات محلية معقدة لا تترك مجالا لأي وافد حداثي أو شاب يطمح للتغيير.
ولم يقف زحف منطق الغنيمة عند أسوار المدينة الحمراء، بل امتد ليعيد تدوير الوجوه ذاتها؛ عبر تزكية هشام سعنان في آسفي، وعبد الكبير المعاشي في الصويرة، وحسن البهي باليوسفية، فضلا عن أحمد واعروش بشيشاوة. هذه الأسماء المجتمعة تُقرأ في القاموس الاستقلالي الداخلي كصكوك أمان تضمن المقعد تحت قبة البرلمان، لكنها في الرصيد السياسي الوطني ليست سوى إعادة تدوير لنخب استنزفت وعودها. إن ما طُبخ في مراكش وجهتها ليس سوى صورة مصغرة لمأساة حزب فضّل الركون إلى ديكتاتورية المقعد المضمون تاركا شعارات التشبيب وتجديد النخب تتبخر تماما تحت شمس الجنوب الحارقة.
هذه الولادة القيصرية الأولى تضع الأمين العام نزار بركة أمام مرآة الحقيقة القاسية؛ حقيقة أن إدارة الحزب بمنطق إطفاء الحرائق المؤقتة وتوزيع صكوك التزكية على الحرس القديم، قد تضمن مقاعد برلمانية في الأمد القريب، لكنها بالتأكيد تسحب من رصيد الحزب الأخلاقي والسياسي. المعركة الحقيقية للاستقلاليين اليوم ليست مع صناديق الاقتراع، بل مع ذواتهم، في حرب استنزاف داخلية قد يصلون بعدها إلى 2026، لكن بميزان فقد كفتيه معا فكان مصيره أن هوى!








