د. الحسن المودن، عميد كلية العلوم السملالية، جامعة القاضي عياض
جاء القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي ليسد فراغا كان يحيط بنظام التوقيت الميسر. فقبل صدور هذا القانون، كان المهني الراغب في استئناف دراسته الجامعية يجد نفسه أمام خيار غير مرض: إما متابعة التكوين الأساسي وفق التوقيت العادي، بما يستوجبه ذلك من غيابات متكررة عن عمله، أو التوجه نحو التكوين المستمر، بتكلفة مرتفعة أحيانا، لينتهي به الأمر إلى شهادة خاصة بالجامعة، لا تحظى بالاعتراف الوطني الذي تتمتع به الشهادة الحكومية. وقد جاء القانون 59.24 ليضع حدا لهذا المأزق، بمنحه سندا قانونيا واضحا لنظام يوفق بين المطلبين معا: توقيت متلائم مع النشاط المهني، وشهادة وطنية كاملة الحقوق، أسوة بتلك التي يحصل عليها الطلبة المتابعون للدراسة وفق النظام العادي. وينسجم هذا الإطار التشريعي مع التجارب الدولية التي سنعرض لها لاحقا، حيث يقوم التكوين المستمر للمهنيين هو الآخر على آليات قانونية ومؤسساتية خاصة، مستقلة عن نظام التكوين الأساسي، من دون أن يمس ذلك بمبدأ مجانية هذا الأخير.
ويستحق الجدل الذي أثاره فرض رسوم التسجيل المرتبطة بـ”التوقيت الميسر” في المغرب أن يوضع في سياقه الدولي. فبعيدا عن كونه استثناء مغربيا، يشكل التمييز بين التكوين الأساسي المجاني والتكوين الخاضع لرسوم يؤديها المستفيد أو المقاولة التي يعمل بها، ممارسة منتشرة اليوم في الكثير من الأنظمة الجامعية عبر العالم.
ففي العديد من الجامعات الدولية، تقوم برامج التكوين المستمر والشهادات المهنية العليا، بدرجات متفاوتة، على مساهمة مالية من المستفيد أو من مشغله. والمنطق وراء ذلك بسيط: فحين يفضي التكوين الجامعي إلى تطور في المسار المهني، فإن أثره لا يبقى محصورا في الجانب الأكاديمي، بل يمتد إلى الحياة المهنية للمعني بالأمر. فالعودة إلى الجامعة بعد الانخراط في الحياة المهنية لا ينظر إليها هناك كامتداد بسيط للمسار الدراسي التقليدي، وإنما كاستثمار جديد في الكفاءة والخبرة.
ألمانيا طورت صيغا للتكوين المستمر موجهة للمهنيين، مع منح الجامعات هامشا من الاستقلالية في تدبير هذه البرامج وتمويلها. ومع ذلك، يبقى حضور الدولة قائما، إذ تواصل تمويل التعليم والبحث العلمي، في الوقت الذي تعمل فيه المؤسسات الجامعية على تنويع مواردها لمواكبة الحاجيات الجديدة لسوق الشغل. وقد ساهمت هذه الاستقلالية المالية، إلى جانب استمرار الدعم العمومي، في تحسين الأداء الأكاديمي والعلمي لهذه المؤسسات.
أما النماذج المعتمدة في دول شمال أوروبا، التي كثيرا ما تستحضر كمرجع في مجال المجانية، فهي لا تخرج عن هذا المنطق: إذ يظل التعليم العالي الأساسي مجانيا، فيما تخضع بعض برامج التكوين المستمر أو التخصص المهني المتقدم لرسوم، من دون أن يمس ذلك بأنظمة المنح والدعم الاجتماعي القائمة.
وحيثما وجدت هذه الصيغ، يبرز ملاحظة واحدة: استقبال المهنيين في توقيتات خاصة، مساء أو خلال عطلة نهاية الأسبوع، يمثل عبئا حقيقيا على الجامعة، من حيث تعبئة الأساتذة والأطر الإدارية والتقنية والتجهيزات. والاعتراف بهذا العبء، وتحميل جزء منه لمن يستفيد منه مباشرة في مساره المهني، لم يفسر في أي مكان باعتباره مسا بمبدأ مجانية التعليم العالي الأساسي.
وبانخراطه في هذا التوجه، فإن التوقيت الميسر في المغرب لا يشكل قطيعة مع أي مبدأ، بل يلتحق بتحول عالمي تسعى من خلاله الجامعات العمومية، من دون التخلي عن رسالتها الاجتماعية، إلى تعبئة موارد إضافية تمكنها من التحديث المستدام.








