برزت أواخر شهر يوليوز، وكذلك في سياق محاولة 15 غشت الماضي، دعوات من مجموعة من الصفحات الرقمية إلى الهجرة غير النظامية نحو مدينة سبتة، مساهمة بذلك في تأجيج موجة من التفاعل الرقمي حول محاولات العبور.
لكن المثير للانتباه أن ثلة من الصفحات ذاتها عادت للاحتفاء بفوز المنتخب الجزائري النسوي على نظيره المغربي في مباراة الترتيب ضمن كأس أمم إفريقيا للسيدات 2026، في سلوك رقمي يطرح أكثر من علامة استفهام حول الخطاب الذي تتبناه هذه المنصات والجهات التي تقف وراءها.
كما تكشف مضامين هذه الصفحات عن تناقضات تتجاوز مجرد مواقف عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي، لتعيد النقاش حول طبيعة الحسابات التي تستثمر في الأحداث الحساسة وتوظفها لاستقطاب المتابعين، سواء عبر قضايا الهجرة أو من خلال المنافسات الرياضية التي تحظى بمتابعة واسعة في المغرب والمنطقة.
وتعيد هذه الوقائع إلى الواجهة سؤالا أكبر حول حدود المسؤولية في الفضاء الرقمي، خصوصا عندما تتحول صفحات تحظى بانتشار واسع إلى منصات للتأثير في الرأي العام، في سياقات تتداخل فيها الهجرة والرياضة والمشاعر الوطنية، بما يجعل مضمون منشوراتها وسياقها وتوقيتها عناصر تستحق التوقف عندها، ولا سيما في ظل ما قد يكشفه هذا السلوك من محاولات للتأثير السلبي في صورة المغرب والمغاربة.
“حرب معلوماتية”
الطيب الهزاز، خبير في المجال الرقمي، قال إن ما تشهده منصات التواصل الاجتماعي راهنيا يتجاوز مجرد اختلاف في المواقف أو حرية التعبير، ويدخل في نطاق “الحرب المعلوماتية وصناعة التأثير الرقمي”، مبينا أن بعض الصفحات والحسابات تقدم نفسها للجمهور على أنها مغربية، وتستخدم أسماء وصورا ولهجة مغربية، وتدعي أنها تنقل ما يحدث من داخل المغرب، بينما تطرح طبيعة نشاطها الرقمي وسلوكها في نشر المحتوى علامات استفهام جدية حول هويتها الحقيقية والجهة التي تقف خلفها.
وأردف الهزاز لهسبريس بأن خطورة هذه الممارسة لا تقتصر على انتحال الهوية، وإنما تمتد لتشمل محاولة صناعة رأي عام مغربي وهمي، لافتا إلى أن بعض الحسابات تبدأ بمحتوى يبدو مغربيا، ثم تنتقل تدريجيا إلى خطاب تحريضي يتضمن الدعوة إلى الفوضى وتأجيج الشارع، والترويج لمعلومات غير موثقة عن وصول أشخاص إلى أماكن معينة، قبل تحويل الأحداث الرياضية أو الاجتماعية إلى صراع سياسي بين المغرب والجزائر.
وحذر المتحدث ذاته من خطورة كون بعض الحسابات تكشف توجهها الحقيقي عندما تنتقل الأحداث من ملف إلى آخر، وزاد موضحا: “نجد الحساب نفسه الذي يقدم نفسه كـ’مغربي’ يهاجم المغرب أو لاعبيه، وفي المقابل يقدم دعما واضحا للطرف الجزائري أو يعيد نشر محتوى صادرا عن حسابات جزائرية”، مشددا على أن هذه “التناقضات السلوكية” تعتبر من المؤشرات التي تستحق التحقيق والتحليل، خصوصا عندما تتكرر ضمن شبكة واسعة من الحسابات المتشابهة.
واسترسل الخبير الرقمي شارحا: “نحن هنا أمام ما يسمى في الأمن السيبراني وعمليات التأثير Coordinated Inauthentic Behavior، أي سلوك منسق وغير أصيل، حيث لا تكون القضية مرتبطة بحساب واحد، وإنما بشبكة من الحسابات التي قد تتقمص هويات مختلفة لتحقيق هدف واحد: تضخيم رواية معينة، وخلق انطباع زائف بوجود غضب شعبي واسع، ثم دفع المستخدمين الحقيقيين إلى التفاعل”.
وأكد الهزاز أن الرسالة الأهم للمواطن المغربي هي: “لا تثق في هوية الصفحة، بل ثق في سلوكها وأدلتها؛ فالاسم المغربي لا يجعل الحساب مغربيا، والصورة المغربية لا تثبت مكان صاحبها، واللهجة المغربية يمكن تقليدها، وحتى سرد قصة شخصية عن ‘مغربي موجود في المكان’ لا يمثل دليلا بحد ذاته”.
وخلص الخبير نفسه إلى ضرورة التعامل مع هذه الحسابات باعتبارها موضوعا لليقظة الرقمية والاستخبارات مفتوحة المصدر OSINT، وليس مجرد خلاف عابر بين مستخدمين على مواقع التواصل، مشددا على ضرورة عدم اتهام أي دولة أو جهة بشكل قطعي دون أدلة تقنية قابلة للتحقق، لأن الحرب المعلوماتية نفسها تقوم أحيانا على دفع الناس إلى إطلاق اتهامات متسرعة وتعميق الانقسامات، ومجددا التأكيد على أن المطلوب هو كشف الانتحال، وتفكيك شبكات التنسيق، وتوثيق مصادر المحتوى، والتبليغ عن التحريض والعنف والمعلومات المضللة، مع ترك الجهات المختصة تحدد المسؤوليات بناء على الأدلة.
“ركوب على الموجة”
اعتبر حسن خرجوج، باحث وخبير في المجال الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن توظيف صفحات جزائرية لتشجيع الشباب داخل المغرب على الهجرة غير النظامية يمكن أن يدخل ضمن عمليات التأثير الرقمي التي تستغل الإحباط والهشاشة الاجتماعية والرغبة في البحث عن مستقبل أفضل، مبرزا أن هذه الصفحات تعتمد على فيديوهات عاطفية وصور الوصول إلى أوروبا وشهادات مختارة، فيما تخفي مخاطر الغرق والاعتقال والاستغلال والاتجار بالبشر، وتعمل في المقابل على “توظيف الخوارزميات من خلال رفع المشاهدات والتعليقات والمشاركات بشكل منسق باستعمال شبكة من الحسابات والصفحات لتعطي للمحتوى دفعة أولى”.
وكشف خرجوج، في تصريح لهسبريس، أن هذه الطريقة يمكن أن تدفع الخوارزمية إلى اعتبار المحتوى مثيرا للاهتمام، ومن ثم توسيع انتشاره وسط الشباب المغاربة الذين سبق لهم أن تفاعلوا مع مواضيع البطالة والهجرة والاحتجاج، مشيرا إلى أن هذا الإقبال يخلق انطباعا زائفا بأن الهجرة غير النظامية سهلة ومنتشرة ومقبولة اجتماعيا.
وأورد الخبير نفسه أن هذا النوع من التأثير الرقمي لا يكتفي، من الناحية التقنية، بنشر فيديو أو “تدوينة”، وإنما يعمل ضمن سلسلة مترابطة تنطلق من فهم السلوك الرقمي للجمهور المستهدف، لافتا إلى أن المنصات لا تحتاج بالضرورة إلى الاسم الحقيقي لكل شاب، باعتبار أن الخوارزمية تتوفر على مؤشرات لقياس الاهتمامات، استنادا إلى مدة المشاهدة وعمليات البحث ونوعية الفيديوهات التي يتوقف عندها المستخدم، والتعليقات التي يقرأها أو يكتبها، والحسابات التي يتابعها، والمناطق التي يتفاعل منها.
وأضاف المتحدث نفسه أن الخوارزمية تقوم بعد ذلك بجمع المستخدمين ضمن شرائح سلوكية، مؤكدا أنه عند انتشار أي نوع من المحتوى تقوم المنصة باختباره وسط عينة صغيرة، وفي حالة تحقيقه نسبة مرتفعة من مدة المشاهدة وإعادة التشغيل والمشاركة والحفظ والتعليق والضغط على الحساب تعتبره الخوارزمية محتوى قادرا على جذب الانتباه، وتوسع دائرة التوصية بالاطلاع عليه تدريجيا.
ولفت المصرح عينه إلى ما يعرف بـ”التضخيم المنسق”، حيث يمكن لشبكة من الحسابات والصفحات أن تتفاعل مع المحتوى في الدقائق الأولى، بغية خلق سرعة انتشار مصطنعة عن طريق المشاهدات والتعليقات والمشاركات وإعادة النشر، موضحا أن هذه السرعة توهم الخوارزمية بأن المحتوى ذو قيمة جماهيرية.
وسجل الخبير نفسه أن هذا الأمر قد يكون أكثر تأثيرا إذا كانت الحسابات التي تتفاعل مع المحتوى تبدو طبيعية، ولها تاريخ سابق في النشر والتفاعل، وليست مجرد حسابات حديثة الإنشاء، مشيرا إلى أن ذلك قد يمنحها قدرة أكبر على الوصول إلى المستخدمين، وزاد: “كما يجري تصميم المحتوى نفسه بطريقة تستهدف رفع مؤشرات الاحتفاظ بانتباه المشاهد، من خلال افتتاحية صادمة خلال الثواني الأولى، واستخدام صور القوارب أو مشاهد الوصول إلى أوروبا، إلى جانب سرد قصة شخصية وموسيقى عاطفية، وطرح عبارات تدفع المتابعين إلى النقاش”.
وشدد حسن خرجوج في الختام على أن التعليقات الرافضة أو الغاضبة يمكن أن تسهم كذلك في انتشار هذا النوع من المحتوى، موضحا أن الخوارزميات تقيس في كثير من الأحيان حجم التفاعل قبل أن تميز بين التفاعل المؤيد والمعارض، ولافتا إلى أنه يعاد تقديم الرسالة نفسها بصيغ مختلفة عبر “تيك توك” و”فايسبوك” و”إنستغرام” و”يوتيوب” و”تيليغرام”، مع تغيير المدة والعنوان والصوت والصورة حتى لا تبدو المقاطع نسخا متطابقة، محذرا من أن الرسالة قد تنتقل من صفحة تحمل هوية جزائرية إلى صفحات بأسماء محلية أو حسابات تستخدم الدارجة المغربية، بما قد يسهم في طمس مصدر الرسالة وإعادة تقديمها للمستخدم المغربي كما لو كانت تجربة “محلية وعفوية”.
مملكتنا.م.ش.س








