رانيا المشاط “سيدة المستحيلات” تبحث عن خطة لإنقاذ صورة بلادها

آخر تحديث : الجمعة 6 أبريل 2018 - 11:25 مساءً

رانيا المشاط “سيدة المستحيلات” تبحث عن خطة لإنقاذ صورة بلادها

وزيرة السياحة المصرية رانيا المشاط تسير عكس تيار البيروقراطية وتواجه المشكلات بطريقة جراح دقيق يتعامل مع المرض مباشرة، بغض النظر عن ردود الأفعال.

المرحلة الجديدة التي دخلتها مصر اليوم، بعد تدشين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لولايته الرئاسية الثانية، تحمل الكثير من التحديات، ففوق السياسة الخارجية تعتمد الدولة المصرية على مستويات متعددة من الأداء الاقتصادي والإداري تكفل نقل البلاد خطوات إلى الأمام.

وتعد وزارة السياحة، في هذا الوقت، أهم حقيبة وزارية تعول عليها الحكومة المصرية لمواجهة شح السيولة وإنقاذ اقتصاد متعثر والتأكيد على أن البلاد تنعم بالأمن والاستقرار بعد فترة من الاضطراب تكاتفت عليها مجموعة من العوامل أدت إلى ضياع ثاني مورد للعملات الأجنبية الصعبة بعد قناة السويس، في أعقاب الرياح التي هبت على مصر والمنطقة العربية منذ عام 2011 وما أعقب هذا العام من أزمات وصراعات. لذلك فإن المهمة الموضوعة على عاتق رانيا المشاط وزيرة السياحة في مصر ثقيلة جدا، لكن من يعرفونها يقولون إنها “سيدة المستحيلات”.

تسير المشاط عكس تيار البيروقراطية وتواجه المشكلات بطريقة جراح دقيق يتعامل مع المرض مباشرة، بغض النظر عن ردود الأفعال. لا تفضل المسكّنات وتبحث عن نفسها دائما من خلال إثبات قدرتها على التعامل مع المشكلات بصورة علمية، وهو ما تحاول أن تؤكده من خلال وزارة السياحة، الوزارة الثقيلة والمحرجة لأي مسؤول في مصر.

ورغم المفاجأة التي حملها اختيار المشاط منذ حوالي ثلاثة أشهر، كونها ليست مرتبطة بالعمل السياحي، إلا أن خبراء أشادوا بالاختيار واعتبروه “متميّزا وعمليا”. لأن مجال السياحة المنهار يحتاج إلى شخصية تملك عقلية اقتصادية، وتستطيع إعادة الروح لجسد خارت قواه على مدى ثماني سنوات، وأرخى بظلال قاتمة على الكثير من المجالات المرتبطة به.

تحمل المشاط في ملامحها انعكاسا لوجه يبدو مألوفا للكثيرين. تتحدث قليلا وتتجنب حوارات الإعلام الطويلة. وإذا أجابت تجيب باقتضاب شديد. ترجع ذلك إلى أن عملها يخرج في حقائق ملموسة وليست كلمات رنانة.

ساعدتها تربيتها في بيت قائم على الفكر والآراء المتبادلة والاهتمام بالشأن العام في أن تحدد وجهتها نحو المستقبل. وكانت تضع نصب عينيها دوما التفوق في دراستها والإلمام العلمي بالشأن الاقتصادي. فهي ابنة عبدالمنعم المشاط، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة وأحد أهم الخبراء في قضايا الأمن القومي، وكان واحدا من أبطال حرب أكتوبر عام 1973.

تبقى المشاط أمام تحدّ صعب ودقيق لسببين: الأول يتركز حول إصلاح ملف هام لمصر يمس حياة أكثر من 10 ملايين مواطن. ويعاني من هول تداعيات الإرهاب وغياب الأمن في الكثير من أقاليم المنطقة ويحتاج إلى إعادة تدوير بفكر اقتصادي فريد.

أما السبب الثاني فيتلخص في شخصية الوزيرة نفسها التي تخرّجت في الجامعة الأميركية بالقاهرة في سن العشرين. وحصلت على درجتي الماجستير والدكتوراه في الاقتصاد من جامعة ميريلاند بالولايات المتحدة. وعملت طوال حياتها في مجال بعيد عن السياحة ومشاكلها.

واضعة استراتيجية مصر النقدية

وزارة السياحة تعد أهم حقيبة وزارية تعول عليها الحكومة المصرية لمواجهة شح السيولة وإنقاذ اقتصاد متعثر، والتأكيد على أن البلاد تنعم بالأمن والاستقرار بعد فترة من الاضطرابوزارة السياحة تعد أهم حقيبة وزارية تعول عليها الحكومة المصرية لمواجهة شح السيولة وإنقاذ اقتصاد متعثر، والتأكيد على أن البلاد تنعم بالأمن والاستقرار بعد فترة من الاضطراب

اكتسبت المشاط من دراستها العلمية وعملها في القطاع المصرفي داخل مصر وخارجها، الكثير من المهارات التي مكنتها من تقلّد منصب مستشار اقتصادي بصندوق النقد الدولي، قبل أن تستقيل منه وتتولى حقيبة وزارة السياحة. وهي تملك مهارات اقتصادية لافتة جعلتها محط أنظار الكثيرين، يساعدها التطور السريع في تكوين شخصية إدارية قادرة على القيادة.

قدومها من مجال مختلف وبعيد عن طبيعة المناصب التي تولتها، جعلها تحت مجاهر ونقد المهتمين بالشأن السياحي، متوقعين فشلها قبل أن تبدأ عملها، لعدم إلمامها أو شعورها بظروف العاملين في مجال السياحة. وأصبحت بعد أن بدأت عملها في اليوم الأول كوزيرة، أمام نيران النقد وصعوبة الملفات المطلوب أن تدرسها وتجد حلولا عاجلة لها، وأبرزها ملف العمرة الذي يعتبره قطاع كبير من المصريين قريبا لوجدانهم.

استطاعت خلال شهرين من دخولها الوزارة حسم قضية رسوم تكرار العمرة والتي كانت أكبر قضية تشهدها الساحة المصرية كل عام، وعزف عن مواجهتها الوزراء الذين تولوا حقيبة السياحة، خشية الدخول في مواجهة مع الأفراد وشركات السياحة.

فعلت ما تجنبه السابقون، وأصدرت قرارا جريئا قضى بفرض رسوم قدرها 2000 ريال سعودي، تعادل نحو 530 دولارا، على كل معُتمر يرغب في أداء مناسك العمُرة ولم تمر على عمرته السابقة ثلاث سنوات.

تقول المشاط في تصريحات لـ“العرب” إن “حجم متكرري العُمرة في مصر يصل إلى نحو 10 بالمئة من إجمالي عدد المعتمرين، ولا بد من وضع ضوابط تتم مراجعتها سنويا، ومن الممكن تغييرها العام المقبل، إذا تحسّنت الظروف”.

وينبع هذا القرار من عملها السابق كوكيل لمحافظ البنك المركزي المصري للسياسة النقدية لنحو 11 عاما من أغسطس 2005 حتى مايو 2016، وقتها استطاعت حسم تلك القضية لأنها تعلم تماما تكلفة تدبير العملات الأجنبية على الاقتصاد الذي يئنّ من جراح ركوده.

حينها تولت المشاط ملف تطوير استراتيجية السياسة النقدية لمصر، وهو محور جرى تدشينه في عام 2005 ضمن برنامج الإصلاح المصرفي. وأشرفت على إعداد وعرض تقارير السياسة النقدية وتحليل تقني لتقييم الوضع الاقتصادي الذي تقرر على أساسه لجنة السياسة النقدية أسعار العائد الرئيسي للبنك المركزي.

أكدت المشاط أن خطتها لإنقاذ السياحة تعتمد على استراتيجية لا تستهدف تنويع مقاصد الترويج فقط، بل استحداث أنواع غير تقليدية للمقصد السياحي المصري المعروف منذ منتصف القرن التاسع عشر كأهم المقاصد السياحية في العالم. وتريد إحياء هذه المسألة وجذب شرائح جديدة كانت غائبة عن مصر.

تحاول استغلال التغيرات والمواءمات السياسية بين مصر واليونان وقبرص مثلا. معلنة عن مشروع مشترك للسياحة البحرية المعروفة باسم “كروز” بين موانئ البلدان الثلاثة، مستغلة في ذلك التقارب السياسي بين مصر والبلدين، الذي تعزز باتفاق ترسيم الحدود البحرية معهما عام 2014، ثم تبعه الإعلان عن أكبر كشف للغاز في المياه الإقليمية لمصر في شرق البحر المتوسط، المعروف بحقل “ظهر” والذي يعد من ضمن أكبر عشرة حقول غاز عالميا.

رحلات “كروز” عبارة عن سفن كبيرة تجوب موانئ عدد من الدول التي يتم الاتفاق عليها وفق برنامج كل رحلة، وعند وصول ميناء كل دولة يمكن للسائح الذهاب إلى المزارات السياحية التي يرغب في زيارتها.

الانخفاض الضخم والمقلق في إيرادات السياحة جعل المشاط أمام معضلة صعبة تتركز في تقديم تفكير غير نمطي لإنعاش السياحة المصرية، لكن السياحة الثقافية تعد تحديا حقيقيا يحتاج إلى طرق أبواب جديدة وإنعاش الأسواق التي خفت بريقها لهذا النوع من السياحة.

ثلثا آثار العالم في الأقصر

تستحوذ مدينة الأقصر في جنوب مصر على ثلثي آثار العالم، لكن الوزارات المتتابعة على مدى عقود فشلت في إنعاش السياحة الثقافية، وباتت العشوائية تسيطر عليها، إلى جانب غياب الرقابة الصارمة، وهو ما أضاع على الحكومة موردا ماليا سخيا.

بدأت تفاصيل المشكلات تتكشف لها، والتي يمكن أن تسيء لكل جهودها، فقد ظهرت فجأة حالات تسمّم لبعض السائحين نتيجة تناول وجبات غير صحية في بعض الفنادق، فضلا عن تدني مستويات سياحة “كروز” الداخلية بين مدينتي الأقصر وأسوان، لدرجة وصلت إلى عدم تحديد مسارات هذه السفن ما أدى إلى شحوط بعضها وتجمد حركة السياحة النيلية بسبب الإهمال.

وتؤكد المشاط لـ“العرب” أن خطة الترويج خلال الفترة المقبلة سوف تركز على جميع أنواع السياحة للمقصد المصري، لأنها بحاجة إلى الاستفادة من كل الإمكانيات الموجودة في مصر كبلد يملك مقومات كبيرة في مجال السياحة.

ولهذا فقد أعلنت هيئة تنشيط السياحة المصرية عن خطة للترويج للمقصد السياحي في إنكلترا وألمانيا وبولندا والتشيك وبلجيكا والكثير من دول الشرق الأوسط من خلال حملة إعلانية دعائية على شبكة قنوات ناشيونال جيوغرافيك وشبكات التواصل الاجتماعي الخاصة بها، ومن المقرر أن تبدأ في أبريل المقبل وتستمر حتى آخر يوليو 2018.

وتوضح المشاط أنها بحثت مع إيزابيل هيل، الوزيرة المسؤولة عن السياحة والسفر في الولايات المتحدة، الترويج للمقصد المصري في تلك السوق، فضلا عن منهجية إدارة هذا القطاع في أميركا على صعيدي الترويج والتسويق.

تنشيط سياحة مصر من نيويورك

قدومها من مجال مختلف وبعيد عن طبيعة المناصب التي تولتها يجعل المشاط تحت مجاهر ونقد المهتمين بالشأن السياحي، متوقعين فشلها قبل أن تبدأ عملها، لعدم إلمامها أو شعورها بظروف العاملين في مجال السياحةقدومها من مجال مختلف وبعيد عن طبيعة المناصب التي تولتها يجعل المشاط تحت مجاهر ونقد المهتمين بالشأن السياحي، متوقعين فشلها قبل أن تبدأ عملها، لعدم إلمامها أو شعورها بظروف العاملين في مجال السياحة

هشام النقيب القنصل العام لمصر في نيويورك قال إنه طلب من المشاط، عقب توليها منصب وزيرة السياحة إعادة افتتاح مكتب التنشيط السياحي المصري في نيويورك، بعد أن تم إغلاقه في مارس 2017.

وأضاف النقيب في تصريحات لـ”العرب”، أن عدد السائحين الأميركيين لمصر وصل إلى نحو 250 ألف سائح العام الماضي، ورجّح زيادة هذا العدد إذا تم تقديم برامج جاذبة، في ظل ارتفاع معدلات إنفاق السائح الأميركي.

وحدد اتحاد الغرف السياحية، متوسط إنفاق السائح الأميركي العادي في اليوم بحوالي 125 دولارا، ويرتفع في الطبقات الأعلى دخلا إلى نحو 250 دولارا مقابل 58 دولارا للسائح الروسي.

وتوقع أن يصل عدد السائحين من السوق الأميركية إلى نحو مليوني سائح سنويا، لكن هذا الهدف يحتاج إلى مجهود كبير واحترافية في عمليات الترويج للسياحة المصرية. لذلك لم تتوان المشاط في التركيز على هذا السوق الواعد.

ويرى خبراء أن إحدى الطرق لزيادة معادلات السياحة في مصر، تكمن في البحث عن منافذ جديدة لجذب السياح، خاصة من دول نادرا ما تختار مصر واجهة لها مثل دول أوروبا الشرقية ووسط آسيا، والتي تفضل إسرائيل على معظم دول منطقة الشرق الأوسط.

وتروّج شركات السياحة الأميركية لبرامج سياحية لزيارة إسرائيل بقيمة 999 دولارا شاملة الطيران والإقامة، وهو عرض تصعب منافسته من جانب مصر.

ورغم انخفاض معدلات إنفاق السائح الروسي، إلا أن القاهرة تصر على عودة السياحة الروسية، والتي وصلت إلى نحو ثلاثة ملايين سائح قبل أن تتوقف بعد تفجير الطائرة الروسية فوق صحراء سيناء في أكتوبر 2015.

يحتاج المقصد المصري للترويج في أسواق جديدة، خاصة التي يمكن أن تحقق للقاهرة ميزة نسبية، منها أسواق أوروبا الشرقية، وهو ما تعيه المشاط جيدا وتحاول زيادة التركيز عليه خلال الفترة المقبلة.

وتشجع المشاط سعي مجلس الأعمال المصري الروماني إلى تبني خطة تستهدف زيادة عدد السياح الرومان لمصر إلى نحو مليون سائح خلال الثلاث سنوات المقبلة، مقارنة بنحو 200 ألف سائح حاليا. وتبدو كمن يقف مع كل جهد يساهم في إنقاذ السياحة المصرية.

وقد أعلنت عن خطة لتشجيع السياحة العربية بالتعاون مع منظمة السياحة العربية، حيث تمثل رافدا رئيسيا في منظومة السياحة المصرية. وتستحوذ هذه السياحة على ثلث الحركة السياحة لمصر وتتصدر المملكة العربية السعودية قائمة السياحة العربية بحصة تصل إلى نحو 25 بالمئة.

تبدو المشاط في مسعى لاستغلال خبراتها الاقتصادية الإدارية في مجال السياحة، وقامت بتصميم إطار الاقتصاد الكلي بالتعاون مع الوزارات والجهات المختصة لتحديد الفجوة التمويلية وتحديثها بشكل دوري، ضمن مسؤوليات أخرى خلال فترة عملها بالبنك المركزي المصري.

وقد تولت عملية تنسيق العلاقات بين البنك المركزي وصندوق النقد الدولي ومؤسسات التقييم والتصنيف الائتماني الدولية. وتصدّرت المناقشات التقنية من جانب البنك المركزي خلال بعثات الصندوق، وكانت ضمن فريق التفاوض على برنامج الإصلاح المالي والاقتصادي بين عامي 2011 و2013.

استفادت المشاط من تمثيل البنك المركزي في اللجان المتخصصة في البرلمان المصري وشاركت في الإعداد والتحدث في الحوارات المجتمعية عن برنامج الإصلاح المالي والاقتصادي، في إدراك سريع للأزمة المالية التي تواجه السياحة وكيفية النهوض بالمجال اقتصاديا وتخطي تحدياته.

تكمن الأزمة الكبيرة في القدرة على إقناع وطمأنة السائحين في الخارج بوجود استقرار أمني متكامل وسلامة دائمة لكل زائر إلى المراكز السياحية. وهذا أمر يرتبط بالقدرة الدعائية لوزارة السياحة ومدى تأثيرها على وسائل الإعلام الأجنبية التي تلعب دورا كبيرا في عكس صورة إيجابية أو سلبية عن مصر.

مملكتنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا.م.ش.س

2018-04-06 2018-04-06
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

مملكتنا
%d مدونون معجبون بهذه: