بوشعيب هارة
مع اقتراب العاشر من ذي الحجة، تتسلل إلى الأنوف رائحة البخور الممزوجة ببهارات الطهي الخاصة، وترتفع الأصوات بالتكبيرات التي تهز القلوب. لكن خلف هذا المشهد الروحاني المهيب، ثمة مقارنة تعقدها كل العائلات خلف الأبواب المغلقة: كيف كان العيد بالأمس، وكيف أصبح اليوم؟
بين جيل “البركة والائتلاف” وجيل “الغلاء والاستهلاك”، تغيرت ملامح العيد بشكل دراماتيكي، ليتحول من مناسبة دينية واجتماعية بسيطة إلى “معركة دبلوماسية واقتصادية” تقودها الأسر لتوفير ثمن الأضحية.
إذا سألت أجدادنا عن كيفية شراء الأضحية في الماضي، فسيحدثونك عن رحلة ممتعة إلى “السوق” أو “الرحبة”. كان شراء الخروف طقساً عائلياً يشارك فيه الصغار والكبار، وكانت الأسعار في متناول الجميع، بل كان من المعتاد أن يشتري المقتدر أضحية لجاره سراً.
في الوقت الحالي تحول سوق الأغنام إلى ما يشبه “بورصة نيويورك”. الأسعار قفزت إلى أرقام فلكية، وأصبح شراء الأضحية يحتاج إلى ميزانية استثنائية، أو قرض بنكي، أو “جمعية” يمتد سدادها لأشهر. ودخلت على الخط مصطلحات جديدة مثل “خروف بالتقسيط” و”شراء الأضحية عبر الإنترنت”.
هذا الغلاء حوّل الفرحة لدى أرباب الأسر إلى نوع من “الهم المقنع”، حيث لسان حالهم يقول: كيف نرضي الأطفال ونحافظ على السُّنّة دون أن نعلن إفلاسنا؟
كان الخروف يبيت في البيت قبل العيد بأيام، يطعمه الأطفال ويزينونه بالحناء، و يوم العيد كان عبارة عن مهرجان تعاوني؛ الجيران يذبحون معاً، والشباب يسلخون، والنساء يجهزن الشواء في الشارع وسط ضحكات جماعية. كانت الأضحية تقسم بـ “البركة”، وثلث التصدق يذهب فعلياً للفقراء والمساكين الذين تطرق أبوابهم بحب.
اليوم اختفت مظاهر الذبح في الأحياء تدريجياً (لأسباب صحية وتنظيمية)، وتحول الأمر إلى مجرد استلام اللحم جاهزاً ومقطعاً من المسلخ أو الجزار. و تراجعت الزيارات العائلية الممتدة، واستُبدلت بـ “نسخ ولصق” لرسائل التهنئة على الواتساب، وصور “ستوري” لطبق الشواء على إنستغرام. بسبب ضغوط الحياة، أصبح الهاجس الأول لدى البعض هو: كيف سنخزن هذا اللحم في “الفريزر”؟ بدلاً من أن نبحث على من هو المحتاج الذي سنعطيه؟.
رغم كل التغييرات، تظل “أطباق العيد” هي الحصن الأخير الذي يقاوم الزمن.
لكن حتى هنا، دخل “التحديث”؛ فبينما كانت الجدات يقضين أياماً في تجفيف اللحم (القديد أو القديدة) وصنع الحلويات التقليدية، تكتفي أسر اليوم بشراء الحلويات الجاهزة، أو اللجوء إلى “التتبيلات السريعة” لتجهيز الشواء في دقائق والمغادرة لقضاء إجازة العيد في أحد المنتجعات السياحية هرباً من “تعب المطبخ”، فهل فقد العيد روحه؟الإجابة هي لا، لكنه غير ثوبه.
صحيح أن الغلاء يضغط على الجيوب، وأن التكنولوجيا سرقت بعضاً من حميمية اللقاءات، إلا أن عيد الأضحى يثبت في كل عام أنه أقوى من التغيير. ما زالت فرحة الأطفال بالملابس الجديدة هي نفسها، وما زالت صلة الرحم – وإن قصرت مدتها – تضفي دفئاً على البيوت، وما زال التكافل الاجتماعي يظهر في أبهى صوره من خلال مبادرات توزيع الأضاحي على العائلات المتعففة.
رغظ كل شيء يبقى عيد الأضحى بين الأمس واليوم شاهداً على تبدل أحوال الدنيا؛ فالماضي لن يعود ببساطته، واليوم يفرض شروطه السريعة والمكلفة. لكن السر الحقيقي للعيد لا يكمن في حجم الأضحية ولا في سعرها، بل في تلك القيمة الروحية التي تجعلنا نتجرد من أنانيتنا، لنشارك الفرحة مع من نحب، ولو بأقل الإمكانيات.
مملكتنــــــــا.م.ش.س
![]()








