عبد الواحد المتوكل
كلما اقترب عيد الأضحى إلا وعاد “خروف العيد” ليتصدر حديث المغاربة في كل مكان، غير أن الحديث هذه السنة، كما في السنوات الماضية، لم يعد مجرد استعداد لشعيرة دينية، بل أصبح مناسبة تكشف عمق التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية التي يعيشها المجتمع المغربي.
عيد الأضحى بين الشعيرة الدينية وضغط الواقع :
ارتبطت أضحية العيد في الوعي الإسلامي بقيم عظيمة من بينها التقرب إلى اللّه، وإحياء سنة سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
فالأضحية لها دلالات عمدقة روحية وسيمولوجية. قال تعالى” وفديناه بذبح عظيم فدية اسماعيل أبو الأمم التي كانت منهم النبوة والرسالة فالذبيحة ليست مجرد دبيحة عادية بل هي قربان إلى اللّٰه وفدية عن كل بني الإنسان وهي سنة ولد إسماعيل إلى يوم القيامة.
وفيها إدخال الفرحة والسرور على الأسر وتقوية روح التكافل بين المجتمع، إلا أن الواقع الاقتصادي الصعب، جعل كثيرا من الأسر تعيش صراعا داخليا بين الرغبة في الحفاظ على هذه الشعيرة وبين محدودية الدخل وارتفاع تكاليف العيش. حيث تحول خروف العيد عند فئات عريضة من المجتمع من رمز للفرح الى مصدر للقلق والضغط النفسي، خاصة لدى رب الأسرة الذي يجد نفسه محاصرا بين متطلبات البيت ونظرة المجتمع وانتظارات الأبناء، هنا يمكننا طرح سؤال عميق، هل ما يزال المجتمع ينظر إلى الأضحية باعتبارها عبادة مرتبطة بالاستطاعة أم أصبحت في نظر البعض معيارا للتفاخر والمكانة الاجتماعية.
البعد الاقتصادي .. أزمة تتجاوز ثمن الخروف.
إن الارتفاع المهول والمتواصل لأسعار الأضاحي لا يمكن فصله عن عوامل متعددة، منها الجفاف، وارتفاع أسعار الأعلاف. وتراجع القطيع، بإقبال كثير من الأسر لذبح (الخروفة) لرخص ثمنها. وغلاء النقل، وتدخل الوسطاء والمضاربين. ما جعل فئات واسعة تشعر بأن العيد تحول على عبئ مالي ثقيل.
إن النقاش حول الخروف المرتبط بعيد الأضحى يكشف أيضا حجم التفاوت الاجتماعي داخل المجتمع المغربي، فبينما تنشر مجموعة من الأسر صور الأضاحي الضخمة والتباهي بالبدخ بينما تعيش أسر أخرى حالة من الصمت والألم والإحراج خوفا من نظرة المجتمع أو شعور الأبناء بالنقص مقارنة بأقرانهم. ومن هنا يبرز البعد الأخلاقي والاجتماعي للاستهلاك حيث أصبح من الضروري إعادة النقاش حول قيم الاعتدال والتضامن بدل تحويل المناسبات الدينية إلى سباق للتظاهر.
لقد كان العيد مناسبة جماعية تحمل طقوسا وعادات خاصة عند المغاربة من أجواء السوق إلى إعداد البيوت للاجتماع العائلة والجيران.
وكرنفال “غونجة يجتمع اليافعون من الجنسين ويطوفون الأحياء مرددين شعارات ك “غونجة بغات القديد” ويجيبهم الفريق الأخر “تأكل فيه الجغديد” .
إن لهذه الشعارات بعدا إيبستمولوجيا وسيمولوجيا إنها لوحة تعبيرية عن معانات الفقراء والمعوزين ومرارة الحرمان والفاقة منبهين عموم المجتمع لمأسات المحرومين بلباسهم جلود الأغنام والماعز. لكن وسائل التواصل الاجتماعي المعاصرة غيرت طبيعة هذه المناسبة، فأصبح ” خروف العيد” مادة للسخرية والنقاش السياسي والتنافس الرقمي
فكل سنة تنتشر مقاطع سخرية وتهكم من الأسعار واخرى تنتقد الوسطاء، وثالثة تهاجم المظاهر الاجتماعية المرتبطة بالعيد وبين السخرية والاحتجاج تتشكل لغة شعبية جديدة تعبر عن حالة القلق الجماعي. وتدق ناقوس الانتباه لمن يهمه الأمر لكنها تكشف أيضا قدرة المجتمع المغربي على تحويل الأزمات إلى مادة للتعبير والتنفيس عن الضغوط الجماعية المرتبطة بالعادات الاجتماعية التي تكون أحيانا أقوى من الحاجة المادية نفسها وهنا تبرز أهمية الخطاب الديني والتربوي في إعادة التوائف للمجتمع عبر التأكيد على أن قيمة الإنسان لا تقاس بالمظاهر، وأن الدين قائم على رفع الحرج وادخال الناس في الضيق والإستدانة من أجل المجاراة الاجتماعية.
فالخطاب العقلاني المتوانن يجب أن يكون وسطيا حتى لا يتحول الصراع بين من يملك ومن لا يملك. صراعا طبقيها ومادة للمزايدات أو السخرية من الناس بل المطلوب هو فتح نقاش وطني هادئ حول القدرة الشرائية لحماية الفئات الهشة والمتوسطة بتنظيم الأسواق وفرض التسعير على كل المستفيدين من دعم الدولة ونشر ثقافة التضامن وإحياء المعاني الحقيقة للشعائر الدينية حفاظا على كرامة الناس وتماسكهم الاجتماعي في أوقات الأزمات واللّه المستعان.
مملكتنـــــــــــا.م.ش.س
![]()








