محمود هرواك
أعادت دراسة أكاديمية حديثة إحياء النقاش السياسي والدستوري حول موقع المستشار الملكي داخل بنية الدولة المغربية، من زاوية علمية تجمع بين القانون العام وعلم الاجتماع السياسي والتاريخ المؤسساتي. الدراسة، المنشورة في عدد أوت 2026 من المجلة الدولية للبحث العلمي بلندن (International Journal for Scientific Research) تحت عنوان “المستشار الملكي في المغرب – الثقة الملكية والخبرة الوطنية في خدمة الدولة: دراسة قانونية وسوسيولوجية في قوة المشورة وحدود الاختصاص”، والمنجزة من طرف الباحثين عبد الرزاق المسكي وأشرف الطريبق، تعاطت مع مسألة الحضور المؤسساتي الشاخص للمستشار الملكي في مقابل الصمت الدستوري الناظم لهذا الموقع، مع تفكيك المفاهيم المتداخلة الشائعة في الأوساط الإعلامية من قبيل “حكومة الظل” أو “الوزير الفوقي”.
وتنطلق الورقة البحثية من رصد مفارقة بنيوية تتمثل في كون الوثيقة الدستورية لسنة 2011، رغم إحاطتها الدقيقة باختصاصات الملك والحكومة والمجلس الوزاري، لم تتضمن نصا يستحدث “مستشار الملك” كإطار أو مؤسسة دستورية مستقلة قائمة بذاتها ذات شروط وتوزيع ثابتي المهام، مما جعل الفضاء الاستشاري متحركا وقابلا للقراءات المتعددة. هذا المعطى دفع الباحثين إلى تفكيك الخلط الشائع في التداولات السياسية بين أربعة أبعاد تمييزية؛ وهي القرب الشخصي من الملك، والمشاركة العملية في صياغة القرار، والنفوذ السوسيولوجي الميداني، وامتلاك الاختصاص التنفيذي القانوني، منتهية إلى أطروحة مفادها أن النفوذ الواقعي لا ينشئ سندا قانونيا للاختصاص، كما أن صمت النصوص لا ينفي أثر التأثير العملي!!
ولفهم هذه الدينامية، لم تعزل الدراسة المؤسسة الاستشارية عن مسارها التاريخي، بل أعادت ربط الجذور المفهومية للدولة المعاصرة بأعراف “الدولة السلطانية” القائمة على التفاف العلماء والكتاب والوزراء والأمناء حول السلطان. واستحضرت الدراسة تجربة إسناد وزارة الفلاحة لأحمد رضا اكديرة سنة 1961 بصفته مديراً عاماً للديوان الملكي لتبرهن على أن ممارسة الصلاحيات التنفيذية اقتضت صدور ظهير خاص وتفويض صريح للتوقيع والسلطة، مما يؤكد تفكيك القاعدة المرجعية المعتمدة في البحث: قوة الموقع الجيوسياسي أو القرب من هرم السلطة لا تعني امتلاك التخويل القانوني، إذ يظل المستشار الملكي خارج الهيكلة التنفيذية للحكومة المعرفة بالباب الخامس من الدستور.
وسعت الدراسة سوسيولوجيا إلى تحضير قراءة مسارية لنخب المستشارين في عهد الملك محمد السادس، نافية وجود ما يسمى بالهيئة المتجانسة أو “الحكومة الثانية”، بالنظر إلى التباين الحاد في خلفياتهم البروفايلية؛ بدءا من التكنوقراطية والمشاريع الكبرى (عبد العزيز مزيان بلفقيه)، والقانون والمالية والعمل الاجتماعي (زليخة نصري)، والثقافة والفكر (عباس الجراري)، والقانون الدستوري (محمد المعتصم وعبد اللطيف المنوني)، والعدالة وحقوق الإنسان (عمر عزيمان)، والدبلوماسية (الطيب الفاسي الفهري)، والمالية الدولية (عمر القباج)، والاستثمار والتدبير (ياسر الزناكي)، والاقتصاد والعلاقات الدولية (أندري أزولاي). هذا التنوع فرض على الدراسة صياغة مفهوم “هندسة الخبرة حول الملك”، حيث لا يحوز المستشار قطاعا أو حقيبة وزارية خفية، بل يضع رصيد معرفته وذاكرته المؤسساتية تحت تصرف المؤسسة الملكية بحسب المقتضيات الملفاتية.
وفي محطة تحليليّة مفصلية، أفردت الدراسة محورا خاصا لمسار المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة كنموذج لاختبار حدود التداخل بين الخبرة، النفوذ، الاختصاص، والتحكم السياسوي. واعتبرت الدراسة أن خطورة وأهمية موقع الهمة تنبعان من كونه يمتلك “رأسمالا سياسيا ومؤسساتيا عرضانيا” تراكم من خلال مسار شامل تقاطع فيه الأكاديمي، بالإداري في وزارة الداخلية، والتسييري برئاسة ديوان ولي العهد، والتنفيذي بالحكومة والبرلمان، والحزبي المؤسس، وصولا إلى تعيينه مستشارا ملكيا في دجنبر 2011. ورغم الإقرار بأن هذا المسار يفرز وزنا استشاريا ونفوذا يصعب إنكاره، فإن البحث يسقط أي ترجمة آلية لهذا الثقل إلى اختصاص تنفيذي مباشر على القطاعات أو الأحزاب السابقة، مطلقا على هذا الافتراض الخاطئ اسم “استصحاب الاختصاص”، ومؤكدا أن ما ينقل مع رجل الدولة هو الذاكرة والشبكات والخبرة لا السلطة القانونية التي تظل حبيسة الهياكل والأجهزة المنشئة لها.
كما توقفت الورقة عند المقولات الاتهامية في الحقل السياسي الداخلي الموجهة لموقع المستشار، معتبرة أن وصف فاعل سياسي لآخر بـ”المتحكم” ينتمي إلى تمثلات الصراع الجاري ولا يشكل أدلة إثبات قانونية ما لم يقترن بإثبات الأفعال والآليات والنتائج المترتبة عنها. واستحضرت الدراسة في هذا الصدد مفهوم “اختلال التماثل الخطابي” الناتج عن واجب التحفظ والابتعاد عن السجال الإعلامي الذي يفرضه القرب من هرم الدولة على المستشار، مما يجعل من الصمت التزاما مؤسساتيا وليس إقرارا بالاتهامات.
وفي تقييمها لمفهوم “حكومة الظل”، فضت الدراسة الاشتباك المفاهيمي بالتأكيد على أن إسقاط المفهوم على الحالة المغربية يتطلب علميا استيفاء ثلاثة شروط متلازمة: وجود بناء تنظيمي جماعي، وصلاحيات تنفيذية ثابتة ومستقرة، وأدوات إكراه وإلزام خارج أجهزة الحكومة الرسمية؛ وهي شروط لم تجد الورقة سنداً واقعيا أو نصوصا تؤكد توفرها مجمعة. وبناء عليه، اعتبرت أن الدور الحقيقي للمستشار قد يمتد للتنسيق والوساطة والمساهمة في صياغة الاختيارات أو تنزيل المهام الحسّاسة دون أن يجعله ذلك بديلا عن المؤسسات التنفيذية الدستورية.
ختاما، كرست الدراسة مفاهيم البديل المؤسساتي من قبيل “مأسسة الثقة”، “ذاكرة الدولة”، و”المحيط الاستشاري لهرم الدولة”، ناطقة برفض منطقين متضادين: منطق الاختزال الذي ينظر إلى المستشار كعنصر حاشية مجرد من الكفاءة، ومنطق التهويل الذي يصنع منه سلطة خفية تدير الدولة بشكل مواز. لتخلص في مضامينها النهائية إلى أن الملكية المغربية حافظت على تقاليد المشورة عبر تطويرها لتتلائم مع الدولة الحديثة الأشد تعقيدا، تحويلا للخبرة والذاكرة الوطنية إلى موارد معرفية تسبق القرار السياسي لرأس الدولة وتسانده، من غير أن يتحول هذا العطاء المعرفي والسوسيولوجي إلى اختصاص قانوني قائم الذات.
مملكتنا.م.ش.س








