عدم الاشتباك…مبدأ تتبناه الجزائر في علاقتها العربية وترفضه بحديقتها الخلفية 

آخر تحديث : الأحد 3 يونيو 2018 - 3:09 مساءً

عدم الاشتباك…مبدأ تتبناه الجزائر في علاقتها العربية وترفضه بحديقتها الخلفية 

الجزائر/ أحمد عزيز 

يقول خبراء إن الجزائر واجهت في السنوات الأخيرة أزمات دبلوماسية عديدة، بعضها كان كفيلا بجر البلد إلى حروب أو مواجهات، لكن السلطات سيرتها بسياسة “عدم الاشتباك”، التي لاقت انتقادات أيضا حول كونها “انكفاء على النفس”.

توصف السياسة الخارجية للجزائر من جانب منتقدين بأنها “بطيئة”، وتتحرك منذ فترة من “منطلق رد الفعل”.

ويصف خبراء الدبلوماسية الجزائرية بأنها “تجسد مبدأ الانكفاء على الداخل” في مواجهة إقليم مغاربي إفريقي وعربي ودولي متغير منذ عام 2011.

وتكرست هذه النظرة خاصة منذ بداية الأزمة الأخيرة مع الجارة المغرب، في أبريل/ نيسان الماضي.

إلا أن بعض الخبراء الجزائريين لديهم رؤية مختلفة وتفسير لما يجري في كواليس الآلة الدبلوماسية.

    رفض الانخراط في الأحلاف

منذ عام 2011 واجهت الجزائر سلسلة أزمات خارجية، بدأت مع حرب ليبيا، عام 2011، ثم حربي مالي في 2012 و2013 ، والنزاع المتواصل مع المغرب، وأزمتي سوريا واليمن.

في كل هذه الأزمات حافظت الجزائر على الموقف ذاته، وهو “عدم الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع أي بلد عربي، ومحاولة حل الأزمات بالوسائل غير العنيفة”، كما يقول مسؤولوها عادة.

في هذا الإطار رفضت الجزائر التدخل مباشرة في حربي الجارتين ليبيا ومالي.

كما رفضت المشاركة في مشروع القوة العربية المشتركة أو التحالف العربي، بقيادة السعودية، بشأن اليمن.

ورفضت أيضا المشاركة في مشروع قوة مكافحة الإرهاب الإفريقية، بقيادة فرنسا، في منطقة الساحل جنوب الصحراء، وهي تضم: مالي، النيجر، تشاد، بوركينافاسو وموريتانيا.

والأهم من هذا هو ما وقع على جبهة الصحراء، منذ أبريل/ نيسان 2018، بعد تهديد المغرب بالتدخل عسكريا ضد ما يعتبره خرقا من قوات جبهة “البوليساريو” لاتفاق وقف إطلاق النار.

فقد بقي الرد الجزائري محصورا في كواليس الاتصالات الدبلوماسية غير المعلنة وبيانات الخارجية، التي تدعو إلى التهدئة والبحث عن حل سياسي للنزاع في إقليم الصحراء بين الرباط و”البوليساريو”.

 “عدم الاشتباك”

يسمي خبراء في العلوم السياسية طريقة تعاطي السلطات الجزائرية مع الأزمات الخارجية والإقليمية بـ”سياسة عدم الاشتباك”.

ويقول الصحفي الجزائري، بوعلام فوزي، للأناضول، إن “أول استعمال لتعبير عدم الاشتباك ورد في محاضرة ألقاها وزير الخارجية الجزائري السابق، رمطان لعمامرة، في المدرسة العليا للإدارة، أمام طلبة الدبلوماسية، في فبراير/ شباط 2015، خلال حديثه عن السياسة الخارجية”.

ويتابع: “وبعدها بدأ بعض الأكاديميين المختصين في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية وحتى الصحفيون في توصيف السياسة الخارجية الجزائرية بعد عام 2011، بهذا الوصف”.

ويعتقد الخبير السياسي، د.محمد الصغير، أن “مصطلح سياسة عدم الاشتباك هو اقتباس ذكي من التوجه السياسي الجزائري في الستينات والسبعينات من القرن الماضي في إطار منظمة عدم الانحياز”.

ويضيف الصغير للأناضول: “يبدو هذا التعبير وصفا دقيقا للتوجه السياسي الجزائري، عقب اندلاع أحداث وحروب وانتفاضات ما يسمى الربيع العربي (أواخر 2010)، وما رافقها من اشتباك بين سُنة العالم الإسلامي وشيعته”.

ويتابع: “فالجزائر لا ترغب في الخوض في هذه المواجهة، وتعتقد أنها غير معنية بها بشكل مباشر، لأنها مواجهة بين دول المشرق العربي”.

ويرى أنه “من أجل هذا حافظت على علاقة متوازنة مع السعودية والإمارات وقطر، والعراق وإيران وسوريا، ورفضت الانخراط في مشروع القوة العربية أو التحالف العربي، كما رفضت الانحياز مباشرة إلى أي من المعسكرين الشيعي أو السني”.

ويشدد على أن “هذا المبدأ (عدم الاشتباك) غير المعلن رسميا واجه اختبارات عديدة، منذ عام 2011، إلا أنه صمد”.

    منذ الحرب الأهلية

فيما يرى الخبير السياسي، محمد تاواتي، أن “السياسة الخارجية الجزائرية دخلت مرحلة الانكفاء على الداخل في مرحلة مبكرة قبل عام 2011 بـ19 سنة على الأقل، أي منذ 1992 تاريخ اندلاع الحرب الأهلية في الجزائر”.

ويوضح تاواتي للأناضول أنه “في تلك المرحلة واجهت الجزائر حالة حرب لا تختلف كثيرا عن الحرب السورية الحالية، ووجدت نفسها وحيدة في محيط عربي ودولي ترك الجزائريين يحلون مشاكلهم فيما بينهم”.

ويضيف: “يدرك صانع القرار في الجزائر أنه غير معني مباشرة بما يعتبرها حروب الآخرين في المشرق العربي، سواء في سوريا أو العراق أو اليمن”.

ويتابع: “قد يبدو تعبير (حروب الآخرين) أو (نزاعات الآخرين) مثيرا للاستغراب، لأن الجزائر بلد عربي كبير ومهم في خريطة التوازنات الإقليمية”.

ويستدرك “إلا أن الجزائريين، وخاصة المختصين وأصحاب القرار، يدركون أن دول الشرق الأوسط، كالسعودية ومصر وايران لديها أجنداتها الخاصة، وهي سائرة في تنفيذ مخططاتها، بالجزائر أو من دونها”.

ويعتبر أن “هذا وقع في أكثر من مناسبة، ففي 1990 قررت الدول العربية المشرقية استدعاء القوات الأجنبية والأمريكية لتحرير الكويت (من العراق)، رغم اعتراض الجزائر”.

ويتابع: “وواقع الأمر نفسه في 2011 عندما قررت الدول العربية المشرقية التدخل في الحرب الأهلية بليبيا، لإسقاط نظام العقيد القذافي (1969: 2011)، رغم اعتراض الجزائر أيضا”.

ونتيجة ذلك، وفق تاواتي، “تكرست قناعة، سواء لدى النخبة أو لدى صناع القرار في الجزائر، بأن أي تدخل في نزاعات الشرق الأوسط يعني بالضرورة الدخول ضمن خطط الدول الإقليمية الكبرى في الشرق الأوسط”.

ويشدد على أنه “لهذا السبب لا يبدو أن القيادة السياسية في الجزائر مهتمة كثيرا بتحريك آلتها الدبلوماسية باتجاه الإقليم العربي”.

   الساحل والصحراء

لكن مبدأ “عدم الاشتباك” يتلاشى بالنسبة للدبلوماسية الجزائرية في ميادين أخرى، خاصة في ما تسمى الحديقة الخلفية للجزائر.

فالقيادة السياسة الجزائرية ترى أن أي اضطراب في إقليم دول الساحل وجنوب الصحراء سينتقل بالضرورة إلى الجزائر.

ولهذا عمدت الجزائر في صيف عام 2010 إلى إنشاء تحالف أمني عسكري مع ثلاث دول في الساحل، هي مالي، النيجر وموريتانيا، لمكافحة الإرهاب وضبط الحدود.

كما قررت مطلع 2013 التعاون مباشرة مع التدخل العسكري الفرنسي في شمالي مالي، ضمن عملية “سرفال”.

وهدفت هذه العملية إلى تحرير إقليم أزواد من “جماعات جهادية” سيطرت على نصف مساحة مالي، عام 2012، إثر انتفاضة شعبية مسلحة ضد الحكومة المركزية في العاصمة باماكو.

كما تدخلت الدبلوماسية الجزائرية، طيلة السنوات الثلاثين الماضية، للمساهمة في حل النزاع بين سكان شمال مالي والحكومة المركزية، من خلال وساطات ما تزال متواصلة.

وتتبادل الجزائر بشكل دوري زيارات رسمية مع دول الساحل المرتبطة بحدود برية معها، وهي مالي، النيجر وموريتانيا.

لكن رغم الحضور الدبلوماسي في ساحة هذا الإقليم، إلا أن الجزائر ترفض الانخراط في أي عمل عسكري مباشر حتى في هذه المنطقة المهمة.

كما ظهر الدور الجزائري البارز إقليميا في محاولات عديدة قامت بها الدبلوماسية الجزائرية لوقف النزاع في ليبيا.

وتجري هذه المحاولات بالتنسيق الثلاثي بين الجزائر ومصر وتونس، حيث يقول مسؤولون جزائريون إن ليبيا تمثل امتدادا للأمن القومي الجزائري.

 مملكتنـــــــــــــــــــــــــــا.م.ش.س

2018-06-03 2018-06-03
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

مملكتنا
%d مدونون معجبون بهذه: